الحلف الجاهلي ضد الإخوان المسلمين … “اللواء ركن (م) يونس محمود”

مشهد الوالد في المرآة، وهو يجيل مكنة الحلاقة على وجهه، والطفل يراقبه بشغف وفضول، وما إن ترك الوالد مقامه، حتى سارع الطفل لتمثيل نفس الدور حيث أمسك بمكنة الحلاقة، وكانت النتيجة (دامية) جراح وخدوش على الوجه ووخزات من ألم، هذا بالضبط ما فعلته مصر والإمارات، وهما تقومان بقصف تجمعات من تظنان أنهم (الإخوان المسلمين) في المعسكرات، والمطارات، والمراكز، بغرض تدمير قوتهم، وكسر شوكتهم، وتليين الأرض لمليشيا (العميل حفتر) الذي يختبئ في أحد أجحار القاهرة، ويمني نفسه بالفوز والسيطرة العسكرية على مقاليد الحكم في ليبيا، ليكمل حلقة حصار الأخوان المسلمين من الإمارات ومصر.
الغياب الأمريكي والأوروبي عن التدخل في الشأن الليبي بعد سقوط القذافي، أغرى مصر والإمارات بخوض المغامرة، لقطف ثمرات الربيع هناك، وإدراجها في (الحلف الجاهلي) ضد الإخوان المسلمين، وحرمانهم حتى من المشاركة في حكم ليبيا، ولذلك قامتا بهذا العمل (الفطير) باستغلال خلو المكان، والتسلل جواً إلى ليبيا، وقصف الأهداف عشوائياً، ثم تقييد الجرم ضد مجهول، حينما يقال (قصفت طائرات مجهولة مطار طرابلس) وليس في عالم اليوم، وثورة العلوم والاتصالات والفضاء الرقمي المكشوف، ليس هناك طائرات تحسب مجهولة، (غير الجهل بحقائق ما يجري في ليبيا)، فالثوار ليسوا بالضرورة كلهم (إخوان مسلمون) وإنما هم بعض كيان رئاسة أركان الجيش الليبي، وهكذا قال المؤتمر الوطني العام، الذي يمثل (سيادة ليبيا) وليس بعد ذلك إلا المغالطة والجدل، وإن ما قام به العميل اللواء حفتر، من تجميع لفول نظام القذافي، ودعاة العلمانية، واليساريين، في ما سماه (عمليات الكرامة) ما هو إلا ذر للرماد في العيون أن ترى حقيقة رهن ليبيا لنظام السيسي، الذي ينظر إليها كما ينظر الطير إلى اللحم، طمعاً في ثرواتها النفطية الضخمة، القريبة من الحدود، ورغبته في سوق عملها الكبير، ليخلص العمالة المصرية من البطالة، فضلاً عن تحقيق الهدف الأساس، وهو ضرب الإخوان المسلمين، وإبعاد شبح أي تعاون بينهم واخوان مصر.
أما الإمارات، فقد أرادت أن تخرج قليلاً من أنشطة سباق الإبل، واليخوت وافتتاح أكبر مولات التسوق العالمي، لتعرض نفسها في كيان عسكري، قادر على التدخل بالذراع الطويلة، ليضرب بنغازي، وطرابلس، على الركن الآخر القصى من أرض العرب، وهي تمر فوق فلسطين، وترى مايفعله الاحتلال بحصار وتدمير غزة، لكن هدف الطيران الحربي الإماراتي المرصود، هو تجمعات الإخوان المسلمين، وليس تجمعات بني صهيون، لتسجل الإمارات سابقة في تاريخها العسكري، ومن سوء الطالع أنها (سابقة فاشلة) أدت إلى نتائج عكسية، حيث تمكنت القوات المستهدفة باعتبارها (إخوان مسلمين) تمكنت من تمام السيطرة على مطار العاصمة، وأغلب المواقع العسكرية، وتجد التأييد والمباركة من المؤتمر الوطني العام، وكذلك تم (توبيخ) مصر والإمارات من قبل أمريكا، وكيف تخاطران بمثل هذه الأعمال (الصبيانية) دون أخذ الإذن مني؟ ولا يغرنكما أني لم أتدخل في الشأن الليبي مباشرة، لأني (أرى ما لا تريان) أنى أرى إرادة الاسلام السياسي لا تستسلم، وكلما اُستفزت زادت مقدرتها على الصمود، والتحدي، وأفضل شيء هو المصانعة والمسايسة، وليس المواجهة، خاصة العسكرية.
هذا مع العلم، بأن التاريخ الأمريكي، حافل بالتدخلات العسكرية، منذ الحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية، وفيتنام، وكوبا، وبنما، وغالب دول امريكا اللاتينية، والعراق، والصومال، وافغانستان، واليمن، وغيرها، لكنها ربما استفادت من دروس التدخلات العسكرية، أما مصر، فلها تاريخ في التدخلات بدأته في السودان عام 1821م حيث غزا محمد علي باشا السودان، ثم تلته كذلك في السودان عام 1898م بصحبة الانجليز، حيث هدمتا بناء الدولة الإسلامية التي أقامها الإمام محمد أحمد المهدي (من المفارقة يقبع حفيده الآن في كنف المصريين مستجيراً من نظام الإنقاذ الشمولي كما أسميه) وتدخلت في حرب اليمن حيث خسرت آلاف الجنود.
أما الإمارات فهي حديثة عهد بالتدخلات العسكرية في شؤون الآخرين، بدأتها بصحبة مصر في نزهة ومغامرة في ليبيا، وهما (تختمران) حتى تخفيا معالم الوجوه، وتبرآن من دماء من قُتل في قصف العشواء الذي قامتا به، من فرط مقت الاخوان المسلمين، الذين لا يستحقون العيش، ولا الحياة، ولا الحرية، على مذهب (السيسي، وخلفان) وليس لهم إلا القتل، والسحل، والسجون، والتغريب. إن الإمارات في مجلس التعاون الخليجي، الذي يعتمد سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية، حتى للدول الأعضاء، ولذلك يوجه اللوم إلى (دولة قطر) بأنها تتجاوز هذا الالتزام، وتتحرك لوحدها، فكيف إذن بالإمارات وهي تتوغل في التدخل في الشأن الليبي! لدرجة استخدام الطيران الحربي لدعم أحد أطراف الصراع في ليبيا! مستغلة ما قدمته لمصر من معونات، وبالتالي إجبارها (بالخاطر) أن تفسح لها المجال الجوي، والمطارات، وكل أسباب الإسناد الجوي المعلومة، ومصر وإن لم تجد في نفسها ذات الرغبة في التدخل، إلا أنها أُجبرت بهذه الطريقة من (الكرم والضيافة العربية) حيث الرفقة في غارة جوية على عدونا المشترك الإخوان في ليبيا وما يهم بعد ذلك..
نعم.. الأمر الآن أصبح مكشوفاً لشعب ليبيا، والمؤتمر الوطني العام، والحكومة المؤقتة، والحكومة القادمة بالانتخابات، وسيبقى أثر ذلك في مجمل العلاقات بين ليبيا ومصر والإمارات، وهكذا تبين أن ما قامت به مصر والإمارات في ليبيا، هوتماماً ما قام به الطفل سالف الذكر، في المرآة، ومكنة الحلاقة بعد والده.. فهل تحسان لسعة الجراح على الأنوف؟
اللواء ركن (م) يونس محمود

مقالات اللواء يونس محمود>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *