كيف تخسر الأصدقاء و”تطفِّش” الناس يا أخي الرئيس؟ … “فؤاد العجباني”

 بصفتي من “قدامى” الإسلاميين، أتحرّج كثيرا من توجيه أسهم النقد إليهم، وإن كنت أضطر إلى ذلك اضطرارا عندما تحدث أخطاء فادحة، طالما سكتنا عليها، وما أكثرها.ولكنها، كما قيل، كلمة الحق التي لم تترك لنا صاحبا.وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان، جائرا كان أم عادلا.
فالمستمع لكلمة الأخ الرئيس البشير أمام المؤتمر العامل حزب المؤتمر الوطني الحاكم بولاية الخرطوم لا يستطيع إلا أن يعجب، فالرجل يقول كلاما معقولا ومنطقيا بصفة عامة، ولكنه يقوله بأسلوب دعنا نقول عنه على أقل تقدير إنه”غير جاذب”،بلا مبرر، لا سيما ممن هو على قمة المسؤولية أمام الله أولا قبل الشعب، وأمام الأشقاء والأصدقاء قبل الأعداء، وأمام المجتمع الدولي قاطبة. فليته ترك مثل هذا الكلام لمن هم أهل له ممن هم دونه.
فأولا، تحدث الأخ الرئيس حديثا طويلا في مدح مسؤولي الولاية الأشاوس، مشيدا بإنجازاتهم الباهرة، ولكن أين ذلك من جوانب فشلهم التي لا تخفى على مبصر أو ذي بصيرة، وهل ولاية الخرطوم هي شارع الجريف؟ أين هؤلاء المسؤولين الأشاوس من تراكم المزابل وأزمات المواصلات وكوارث الخريف عاما بعد عام؟ هل زار أحدهم مؤخرا مستشفى أمدرمان العتيق؟لو قال الأخ الرئيس كلاما متوازنا لنال تصفيق الذين خارج القاعة، إلى جانب الذين في القاعة. فأين “عمر” من “عمر”؟ ولكن دعنا من ذلك كله فهو حديث قديم عقيم.
فقبل أسابيع قليلة وجه الأخ الرئيس دعوته إلى “وثبة” الحوار والمصالحة التي طال التهليل والتبشير لقدومها، وجاءت فيها بذرة أمل، رغم الهنات، لاجتماع شمل الأمة المكلومة – التي ينبغي أن يكون الأخ الرئيس أعلم الناس بحالها، والتي ذكر في كلمته الكثير من المآسي التي ما انفكت تعيشها – اجتماعا يكشف الغمة ويزيل البلوى ويشفي صدور قوم مؤمنين.
ولكن ما أن صمت المتكلم حتى بدأ “الأعوان”، كعادتهم، في طرح التفسيرات المتهافتة الناسخة والتصريحات الرعناء الراجفة، تبعتها رادفة التصرفات الحمقاء، مثل اعتقال رجل مثل “الحبيب” الصادق المهدي الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه ظل طوال عمر الإنقاذ الطويل،ورغم الاعتقالات المتكررة، يدعو صابرا إلى الحل السلمي لمشاكل البلاد، كأنه يريد أن يكون “غاندي السودان”، ولم يشفع له ذلك، حتى عيل صبره وغادر البلاد كارها لا مكروها.
أقول للأخ الرئيس، كإسلامي قبل أن يكون رئيسا– بل أميرا كما وصفه القاضي في حيثيات القضية الدستورية الشهيرة-أما كان بوسعك أن تقول إنني أدعو الإخوة حملة السلاح إلى إلقائه والحضور لنجلس كإخوة ومواطنين متساوين في الحقوق والواجبات لنناقش قضايا وطننا على بساط المحبة والمساواة؟أما كان هذا أقرب لروح “الحوار والمصالحة” من عبارات الجهاد والمجاهدين، والرباط والمرابطين؟أليس كبير القوم أولاهم بالحكمة والحلم وأبعدهم عما سوى ذلك؟
أخي الحبيب الرئيس،أما كان بوسعك أن تقول إنني أدعو الأخ الصادق المهدي إلى العودة إلى داره آمنا بل مصطحبا معه حلفاءه الجدد الذين نضمن لهم الأمان؟ألا يجدر بالرئيس، أي رئيس، أن يكون أول من يطفئ نيران الفتنة، لا أول من يشعل أوارها؟ وأين هذا من قوله في مقام آخر، وكأنه نادم،إننا قتلنا الناس لأتفه الأسباب، داعيا إلى سلوك نهج مغاير؟ترى هل عفت الأيام على هذا القول؟
نعم، مثل هذا الأسلوب الناري قد يجتذب التهليل والتكبير والتصفيق والهتاف من منسوبي المؤتمر الوطني، الذين كانوا سيصفقون ويهللون لكلام الرئيس على أي حال مهما قال، ولكنه لا يصب في صالح قضية “الوثبة” التي بادر بها الأخ الرئيس ونصب نفسه داعيا لها – ولا في صالح قضية الوطن الجريح، الذي يتولى الأخ الرئيس أعلى درجات المسؤولية عنه.
أحسب أن الأخ الرئيس لو فعل ذلك، وهو من هو، فربما استمع له من وجه إليهم الخطاب عن بعد، وربما أتوه طائعين،وربما دفع عن البلاد بعض شرور البغضاء والاحتراب. ولا أحسبه سيفعل.
ختاما أقول للأح الحبيب الرئيس: “غيِّر كتبة خطاباتك، فالناس تأخذ عليك ما يكتبون”.
فؤاد العجباني-فينّا، النمسا
elagabani@yahoo.com
28/09/2014

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *