من أجل الوطن, الجيش والاستقلال … “اللواء ركن (م) يونس محمود”

 عندما كان الدوتش موسولين, يرنو ببصره إلى أفريقيا، راغباً في ضمها إلى إمبراطوريته من سواحلها الليبية في تخوم المتوسط، وإلى حافة المحيط الأطلسي من وراء إثيوبيا والصومال, وقد حشد لذلك أكثر من مئة ألف رجل، ومئات الطائرات، وآلاف الدبابات والمدافع في الأعوام (39- 1940م)، الأمر الذي أدخل الرعب في قلوب الحلفاء (بريطانيا ومجموعتها) احتياطاً لمكاسبها الاستعمارية في أفريقيا، وما أكثرها، إذ تبلغ دول الكمونلوث، وهي المستعمرات البريطانية، اثنتان وخمسون دولة بالتمام والكمال، تتوزع بين القارات في آسيا وأمريكا وفي جزر المحيط، وأفريقيا.
ولذلك تفتقت عبقرية بريطانيا أن تشرك الدول المستعمرة في الحرب، في مقابل الاستقلال والحرية في حالة تحقيق النصر، تماماً مثلما يفتدي الأرقاء أنفسهم بالمال أو مقاولة العمل, حيث فعل ذلك سيدنا سلمان الفارسي عندما كاتب سيده اليهودي على (أحياء ثلاثمائة نخلة) وأعانه على ذلك سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعة من الذهب.
بريطانيا، أخذت العهد من المستعمرات ومنها السودان، بالمشاركة في القتال ضد دول المحور (ألمانيا والنمسا وإيطاليا).
ولذلك انتدب السودان عناصر من مقاتليه، وصفوة من شبابه، تجاوزت (العشرين ألف رجل) ليقوموا بهذا الدور الطليعي في مهر استقلال أمتهم، ووطنهم، وقد كان، فانتشروا على سعة رقعة ميدان القتال في أفريقيا شمالاً، في الكفرة، والعلمين، ودرنة، وجاوا، في صحراء ليبيا، وواجهوا مكر المارشال رومل، وذكاءه، ومرونته، في استخدام قطاعات المقاتلين، فكانوا خير سند وعضد لموتغمري في صمود المواقع، واجتياح الأهداف، والشجاعة، والاستبسال، والطاعة.
أما في شرق أفريقيا، في جبهات إثيوبيا، وإرتيريا، فقد استطاعت القوة السودانية في إفشال الهجوم الإيطالي الكبير على كسلا (مرتين متتابعتين)، وكبدت الطليان خسائر كبيرة، وكذلك في هجوم القلابات، وردتهم على أعقابهم، وكذلك فعلت في إعادة مدن كرن، وأسمرا, وقندرة، من أيدي الطليان في معارك خلدها التاريخ عبر الأغنيات (الدخلو كرن بينين)، كما رافقت القوة السودانية الإمبراطور (هيلا سلاسي) إلى استعادة ملكه من جديد، وهو قادم من إنجلترا عبر السودان إلى أديس أبابا، على ظهر جواد، في الخامس من يونيو 1942م، بعد ما أمنت مناطق قوجام، ودبر مارقوس.
كل هذه الأعمال، قامت بها الأورطة السودانية على الحدود.
نعم.. صمدت القوات السودانية المشاركة في الحرب العالمية الثانية، لأنها ترجو من وراء هذا الصمود، حصول السودان على استقلاله، ولذلك أصبحت بريطانيا بعد تحقيق النصر الغالي في العام 1945م، في (موقف أخلاقي) يلزمها إنفاذ العهد الذي بدأ العد التنازلي له، مع زيادة وتيرة الرغبة والنزعة في التحرر من الاستعمار، بقيادة مؤتمر الخريجين, والثورات، والانتفاضات، وكل تعبيرات الرفض للاستعمار التي انتظمت السودان كله، حيث لا ينسى الناس ثورات السحيني، والفكي علي ميراوي، والسلطان عجبنا، وود حبوبة، وثورة الشلك، وقصائد الشعراء، وأغاني الحماسة، مما ضيق الخناق على الذين استسلموا من قبل لمشيئة المستعمر، وعقدوا معه الصفقات، وآثرهم بالعطايا، والهبات، واقطعهم الأراضي, والامتيازات حتى يلزموا رعاياهم واتباعهم الرضى والقبول بواقع بواقع الاستعمار، ويزينوه في أعينهم.
لما أحس هؤلاء (المتعاقدين) مع المستعمر، بأن الأزفة قد حان وقتها، ركبوا الموجة، فاصبح الحديث عن الاستقلال، أم البقاء مع مصر في قطر واحد، والبقية في تاريخ السودان السياسي الذي أغفل عن (حياءً) صفحات لجرد الحساب، وتحديد المواقف، ووزن الأعمال, لرجال الصف الأول من الساسة، الذين تعاقبوا على السودان.
القوات المسلحة، ظلت تدفع أثمان أخطاء الساسة عبر عمرها الطويل، المبتلى بالحروب والصراعات، فلولا أخطاء الساسة، لما آلت الثورة المهدية إلى فصولها التراجيدية، الدامية. ولولا أخطاء الساسة، لما لبث المستعمر الإنجليزي في السودان إلا قليلاً.
ولولا أخطاء الساسة، لما تفجرت حرب الجنوب عام 1955م، ولما قامت حرب أهلية أصلاً، إذا اعتمدت خصوصية الجنوب، ورغبة أهله في الانفصال منذ العام 1948م، وما قبلها حتى.
ولولا أخطاء الساسة، لما استمرت الحرب الأهلية، واستشراء الحركات المسلحة، وانهيار منظومات الأمن في رقاع واسعة من دارفور، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق, وكل تلك الأخطاء لها أثمان بالغة، باهظة، ظلت تدفعها القوات المسلحة، وتقطع من جلدها لترقع أثواب الوطن، حتى لم يبق في جسمها موضع إلا وفيه وشم من جراح، وطعنة من عدو، ومع ذلك كله بقيت حارسة الحدود، واقفة على جبل الصمود، تذب خيل العدو عن الاستدارة، بينما الناس سواها, (يتنازعون الغنائم) و(يتنافسون المصالح لشخصية).
الاستقلال.. الذي نحتفي به، ونرفع الأعلام، ونردد النشيد الوطني، ونتنسم عبير الحرية، مهرته القوات المسلحة (قوات دفاع السودان) منذ العام 1939- 1945م.
اللواء ركن (م) يونس محمود

مقالات اللواء يونس محمود>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *