رمضان .. أيام زمان … “عبدالله شريف”

 منذ أهل علينا شهر رمضان، والنفس تراودني أن أكتب عن رمضان وعهد الصبا في الريف السوداني، حتى قرأت ما خطه في هذا الشأن، أستاذنا هلال زاهر الساداتي، عن رمضان أيام زمان، فصار حالي حال من تأهب لتقديم الكشري لضيوفه فنزلت عليه مائدة من السماء، فيها كل ما تشتهيه الأنفس، فأغناني بكلماته عن الكتابة، فتركت له الزاوية وأخذت ما تيسر من مقالته:
ارتبط الصوم لدي السودانيين بالرجالة (الرجولة) والتي يقدمها السودانيون على معظم الفضائل الخلقية: فإنه من العيب أو العار أن يفطر الرجل دعك عن الجهر بالفطر.. وللنساء كلف خاص برمضان لما يتميز به من أطعمة وأشربة خاصة.
وكان الرجال بعد انتهاء العمل يقضون بقية اليوم قبل الإفطار في الحدائق أو تحت كوبرى النيل الأبيض، وبخاصة في حديقة برمبل بالموردة في أمدرمان. فكان الصائمون يستلقون تحت ظلال الأشجار الوريفة، فتجد منهم النائمين ومنهم من يلعب الكتشينة والبعض يذهب للعوم في البحر خاصة الصبية والأطفال، وهؤلاء كان منهم من يغطس في الماء ويبتلع (جغمة) أو اثنتين منه ويتظاهرون بالصيام وذلك اتقاءً أو خوفاً من المعايرة بالإفطار في رمضان، ويسألون بعضهم البعض:
(أنت صايم صيام الضب ولا صيام السحلية) ويقصدون بصيام الضب المفطر وبصيام السحلية الصائم بجد..
وتنشط الحركة في البيوت قبيل الإفطار، فالنساء يشتغلن بإعداد طعام وشراب الإفطار المتنوع والشاي والقهوة، والأطفال والصبية يفرشون البروش والبسط أمام البيوت، فقد كان معظم الجيران يفطرون جماعة وكل رب بيت يأتي بصينية إفطاره، فيفطرون ويصلون المغرب جماعة..
وإن كانت هذه العادة الجميلة قد اندثرت أو كادت تندثر الآن فقد شاهدت البعض القليل لا يزال متمسكاً بها.. وكان هناك مظهران يتميز بهما رمضان أولهما مدفع الإفطار وثانيهما المسحراتي، فقد كان يوجد هناك مدفع عتيق يوضع أمام النيل عند طوابي المهدية قبالة جامعة القرآن الكريم للبنات بأمدرمان، وكان يضرب إيذاناً بالإفطار، وكان المدفع يضرب أيضاً عند بدء وانتهاء وقت السحور، وكان دويه يسمع في أنحاء أمدرمان القديمة أى ما بين حي ود نوباوي شمالاً إلى حي الموردة جنوباً ومن حي أبو روف شرقاً إلى حي العرب غرباً، ولكن أسكت هذا المدفع في عهد جعفر نميري عندما كثرت ضده محاولات الانقلاب العسكرية، وذهب أب عاج بلا رجعة ولا يزال المدفع صامتاً!
فهل إلى عودته من سبيل! والمظهر الثاني هو المسحراتي الذي كان يطوف على الحي على حمار أو راجلاً وفي يده طبلة يقرع عليها ليصحى الناس للقيام للسحور مردداً عبارات منغمة أذكر منها: ((قوم يا صايم وحد الدايم))، أو يشطط فيقول ((صايم رمضان قوم اتسحر ـ فاطر رمضان نوم اتندل))، وفي وقت لاحق سمعت أحدهم يعلن عن موعد السحور بالضرب على نوبة.. وكان هناك مطرب حقيبة في الموردة يدعى طه جفون يستعمل الرق في التنبيه للسحور وهو ذات الرق الذي يضرب عليه في حفلات الغناء.. وكان أغلب المسحرين يؤدون هذا العمل متطوعين يبتغون من وراء ذلك الأجر والثواب من عند الله، بينما القليل منهم يفدون إلى البيوت صبيحة العيد للتهنئة فيجود عليهم الناس بالحلوى والتمر والفول والكعك والنقود..
كان مسلك الناس في رمضان مثالياً للمسلم الحق في النقاء والطهارة والتقوى، حتى المبتلين بشرب الخمر كانوا يمتنعون عن تناولها وإن كانوا يودعونها قبل الصوم بتظاهرة شرابية يسمونها ((خم الرماد)) يشربون فيها حتى لا يميزون بين الأرض والسماء! وبالمقابل كانت هناك مناظر وسلوكيات مقرفة وقبيحة يأتيها البعض في رمضان وأظنها لا تزال موجودة حتى الآن، ومنها الذين يبصقون ياستمرار وكأنهم مصابين بإسهال في أفواههم! والذين لا يستاكون ويظنون ذلك من تمام الصيام.
ومن المناظر المنفرة تظاهر البعض بالزهج وسوء وضيق الخلق متعللاً بالصوم، وهناك الموظفون الذين يجعلون من رمضان موسماً للكسل وعدم القيام بواجباتهم إزاء العباد والذين ينومون أثناء ساعات العمل ويفترشون التربيزات أو الأرض للنوم تحت المكيفات والمراوح بعد ساعات العمل ويقفلون المكاتب عليهم ..
ولست أدري كيف يقضي معظم الناس رمضان الآن مع قلة النقود وتوحش الغلاء؟!
وربما تعودوا على شبه الصيام الإجباري فطعامهم المتاح هو البوش والدكوة مع الطماطم إذا تيسرت والذي صار يشكل وجباتهم الرئيسة! ومع ما يقاسونه من سوء تغذية وأمراض !!
ولكن مما شاهدته مؤخراً من مظاهر إيمانية باذخة هو امتلاء المساجد بالشباب وحضور النساء والفتيات خاصة صلاة التراويح في المساجد والساحات، وآمل أن ينعكس هذا على سلوكنا، فالدين عند الله المعاملة ..
وكل رمضان وأنتم بخير وبلادنا وبلاد المسلمين في عزة وسلام
هلال زاهر الساداتي

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *