فن العلائق … “عبدالله شريف”

 في البداية وقبل الشروع في موضوعنا هذه المرة أرجو أن ألفت انتباه الأخوة الأعزاء ألا يقولوا علاقات، كما هو شائع، بل علائق! وأستحلفكم بالله ألا تسألوني لماذا؟ فهكذا حدثنا شيخنا الذي علمنا القيل والقال وكثرة السؤال.
أما العلائق التي أنوى تناولها في هذه الزاوية من مجلة الجسور الشامخة الصامدة فهي علاقات!!! آسف أقصد علائق أهل المدن وأهل البادية وذلك حسب ما تفضل به صديقي الدكتور كامل حسن جنى، الساخر دائماً من تصرفات أهلنا القرويين.
حدثني صديقي أن البدوي في مصر يطلقون عليه لقب الصعيدي وهو دائماً ضحية لخداع القاهري الذي يبيعه الترام.
أما البدوي الزول فإنه عند قدومه المدينة يقدم لقريبه أو صديقه الحضري برطمان سمن أو عسل ومن بعد يبدأ هو وإخوانه وجميع أهله يمتصون خيرات الحضري التي جمعها بالجهد الجهيد. وإذا رغب أحد سكان البادية في زيارة المدينة فإن أخانا البدوي الزول يزوده باسم ومكان صديقه الحضري (الذي أهداه برطمان العسل) وما على صاحبه القادم من الريف إلا أن يقدم نفسه بوصفه أحد أقارب البدوي الزول وسيجد منهم كل ترحاب  وتقدير.
و سرد  محدثي قصة واقعية حدثت لعمه الحاج عبد الله مع أحد القرويين و يدعى سلامة:
سلامة أحد مواطني قرية كررى التي تبعد عن مدينة الحاج عبد الله، مسافة نصف يوم على ظهر الحمار.
قدم سلامة راكباً حماره وحاملاً ديكاً، وقاصداً دكان الحاج عبد الله. وبعد إتمام لوازم (البارك) ربط الحمار وتقديم العشب له حتى لا يحتج بالنهيق، حيا سلامة الحاج عبد الله وقال له: يا حاج عبد الله… أنا راغب في صداقتك في الله وأهديك هذا الديك كدليل وعربون لهذه الصداقة! فرد عليه الحاج عبد الله: وأنا قبلت صداقتك في الله… وقبلت منك الديك هدية، فالرسول عليه الصلاة والسلام قبل الهدية.
ومن يومها اعتبر سلامة منزل الحاج عبد الله ليس بمثابة منزله هو فقط، بل و منزل أهله وأصدقائه… في البداية كانت زياراته ورفاقه مقتصرة على يومي الأحد والخميس (أيام السوق في المدينة)… وبعد تثبيت هذين اليومين بدأت الزيارات المفاجئة تترى.
كان سلامة في البداية لا يزور إلا في وجود الحاج عبد الله بالمنزل ولكن بمرور الوقت (رفع الكلفة) وصارت زياراته لا ترتبط بوجود أو عدم وجود الحاج عبد الله، فالرجل قد أصبح (سيد بيت)، يأخذ مكانه في الديوان (مكان الضيوف)، ويأمر أحد أبناء الحاج عبد الله بتحضير الوجبة المناسبة ويليها الشاي بالنعناع ثم يتبع ذلك القهوة….
مع مرور الزمن صارت زيارات صاحبنا سلامة ومعيته تمثل عبئاً حقيقياً وثقيلاً لا من ناحية العمل الإضافي لزوجة الحاج عبد الله، ولكن حتى على ميزانية الأسرة المحدودة. الشيء الذي أجبر الحاج عبد الله أن يقبض على الديك سبب البلية والذي لحسن الحظ لم يذبحه في تلك الزيارات المتكررة لصغر حجمه. وواجه الحاج عبد الله سلامة: “أسمع يا زول! أليس هذا هو ديكك؟ كان صغيراً والآن كما ترى قد اكتنز لحماً وشحماً…. يا زول خذ ديكك وأنسى هذه الصداقة المكلفة….. لا توجد صداقة بيننا بعد اليوم لأنني لا أستطيع تحمل تكاليفها.
وأخر القول:
تهنئة حارة من الزول للأخوة العراقيين، وذلك بفوز فريقهم القومي لكرة القدم بكأس الأمم الأسيوية للمرة الأولى.
وأعتقد أن هذا الفوز العراقي، وفى هذا الوقت العصيب قد أثلج صدر الكثيرين من عرب وعجم. لا شماتة في أهل الحجاز- حاشا- ولكن انتصاراً ودعماً للضعيف. والسعودية فازت من قبل مرات ومرات والفوز والهزيمة لا ينقصان شيئاً من رصيدها وسمعتها في الملاعب.
عند مقابلتي للسفير العراقي مؤخراً، هنأته واقترحت عليه أن يتواضع العراقيون على تولية زمام أمر توحيدهم لهذا الفريق الذي جمعهم في وقت، ما عاد فيه من أمل في الوحدة والتوحد، وساد فيه التشرذم والقتل والسحل.
هؤلاء الفتية أدوا رسالتهم على وجه فاق حد التصور.
فهل يا ترى يقبل أهل الحل والعقد في بلدنا العراق بإعطاء هذا الفريق المعجزة ولاية الأمر في البلاد ولو لمدة يوم واحد!!! و ما يدريك لعلهم قد ينجحون فيما فشل فيه الآخرون!!
ألم يثبتوا ذلك على المروج الخضر!

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *