أوباما فى الذهن العروبى!!! … “عبدالله شريف”

 باراك أوباما ـ حسين ـ براق، أسماء أثارت في عالمنا العربي نقاشات عريضة وعميقة كعمق اليم، وأحياناَ سطحية وضحلة كضحالة البحر عند سواحله.
مثلى مثل الكثيرين أصابتني الحمى الأوبامية، فأدمنت مشاهدة معاركه الانتخابية، وعلى وجه الخصوص مناظراته الثلاثة مع منافسه ماكين، رغم زمنها الباكر حسب التوقيت الأوروبي. كانت قمة في الروعة والأداء. وسرت نشوة في عروقي، شبيهة بتلك التي هيأتها لنا الكاميرون وأسودها السود عندما افترسوا الثيران الإسبانية وفازوا بذهبية الأولمبياد في العام 2004. (هل هذه عنصرية؟ أم تضامن مع المساكين والضعفاء؟).
الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل راهن على هزيمة باراك، ومنطقه أن أمريكا لن تقبل رئيساَ أسوداَ. ولكن عندما فاز أوباما راح الكاتب الكبير ينقب عن أشياء لم يلتفت إليها مستمعوه ومعجبوه، وهم كثر في عالمنا العربي.
ذكر هيكل على لسان أحد الأمريكيين السود أنهم يعتبرون أوباما إنساناَ أبيضاَ في تفكيره رغم سواد بشرته.
وكاتب آخر من بلاد الرافدين راح يسوق الأدلة الواحدة تلو الأخرى على أن رئيساَ أمريكياَ أسوداَ ليس بالضرورة خادماَ لمصالح العرب، ولربما كان ضرره أكثر من الرؤساء البيض. وتبياناَ وتأكيداَ لدعواه ذكر أن الجنود الأمريكيين السود أشد قساوة على العراقيين مقارنة بالجنود البيض، وأن أكثر حالات الاغتصاب ارتكبت بواسطة الجنود السود.
والآن نعود إلى فرحة السادس من نوفمبر والتي دخلت قلب كل أسود وكل إنسان متقدم ومتحضر له القدرة على تخطى الحواجز العرقية والدينية والثقافية والوطنية، ومستوعباَ لتاريخ العبودية البغيض، ومشرئباَ لمستقبل تتحقق فيه أحلام مارتن لوثر كنج.
في ذلك اليوم سالت دموع القس جيسى جاكسون، وخرج الناس في كينيا يرقصون في الشوارع، واتخذوا من ذلك اليوم عيداَ وطنياَ.
هل ياترى وجدت تلك الفرحة سبيلاَ إلى قلب هيكل وقلوب قوم على شاكلة كاتب الرافدين.
هيكل كاتب بلغ شأواَ بعيداَ، وشاهد على عصره مع آخرين، لكنه لا يستطيع أن يعبر عن فرحة الملايين تلك، ناهيك عن أن يدرك ما وراء دموع القس جاكسون. لماذا؟ لأنه أي هيكل يحسب نفسه من ملة أخرى لا يجمعه وأوباما حسب ولا نسب.
هل تذكرون كتابه خريف الغضب؟ لقد جعل من نفسه طبيباَ وباحثاَ نفسانياَ وراح يغوص في داخل نفس السادات (بعد مماته) ليكتشف لنا مشكلته السايكولوجية بسبب لونه وشكله الأفريقي الذي أورثه له جده خير الله المملوك.
الأستاذ هيكل يتذاكى ويلفق المعلومات أحياناَ مستغلاَ في ذلك ثروته المعلوماتية الضخمة التي وفرها له عبد الناصر. لقد حاول أن يلعب نفس الدور مع السادات، فساهم بقدر كبير في كشف تحرك مجموعة على صبري.
لكنه نال جزاء سنمار.
قلبي يحدثني أنه كانت للسادات فراسة أفريقية كشفت له عن صورته في عقل هيكل الباطني. فراسة وكظم غيظ، غابا عن جعفر النميري وهو يسدد لكمة (أم دلدوم) قوية في وجه هيكل وهما داخل طائرة الرئيس عبد الناصر المتجهة صوب ليبيا القذافى. ساء النميرى أن يسمى هيكل ثورته إنقلاباَ.
في الثمانينات كتبت للكاتب والصحافي الكبير مصطفى أمين صاحب الفضل في صعود نجم هيكل، أستفسره فيما أورده عنه هيكل من تهم في كتاب الأخير بين – السياسة والصحافة -. كانت مفاجأة لي أن أستلم رداَ (محتفظاَ بنسخته) من الصحافي الجليل مصطفى أمين واصفاَ فيه ما سطره هيكل عنه بالأكاذيب والأباطيل. تلك كانت شهادة عصرية ولا بد أن تأخذ حظها من التمحيص.
سئل لويس فاراخان – زعيم أمة الإسلام الأمريكية – عن باراك أوباما عند بداية الحملة الانتخابية فقال إنه معجب به ويتمنى أن يراه في البيت الأبيض ولكن لا يريد أن يفسد عليه حملته بالحديث عنه، لأن أعداؤه دائماَ ما يحرفون كلامه. ولم يتوقع فاراخان تغييراَ جذرياَ يحدث في السياسة الأمريكية، لأن ذلك ليس بيد أوباما – أو كما قال.
لكن تبقى الحقيقة أن من حسنات أمريكا قبولها عبداَ حبشياَ حاكماَ لها. وهو ما لا يتصوره كثيرون في عالمنا العربي وهيكل منهم. وقبل سنوات مضت التقيت في برلين بولي العهد السنوسي المتطلع إلى إعادة ملكه، وذلك بتدبير من صديقي الليبي (عز) الذي من سماته الصراحة والمصالحة مع النفس. ولى العهد يبدو لمن لا يعرفه وكأنه من السودان. لأن له أصول من غرب أفريقيا. ذكر لي صديقي (عز) أن لون ولى العهد الداكن لا يشجع الكثيرين في ليبيا من الوقوف إلى جانبه وتأييده.
في تقديري أنه سوف تجرى مياه كثيرة تحت جسور النيل والرافدين قبل أن نرى قبطياَ أو نوبياَ رئيساَ للوزراء، أو بصرياَ أسمراَ وزيراَ للخارجية، أو موريتانياَ زنجياَ رئيساَ للبلاد. وفى بلدي السودان سكبنا دماءَ عزيزة وغزيرة قبل أن نجنح لتولى جنوبيى السودان وزارات سيادية ونشركهم بالفعل في تصريف  المال وتبديده.
إن جذور الاستعلاء والإقصاء في عالمنا العربي ضاربة في العمق.
يا ترى ماذا هم فاعلون غداَ عندما ترحل الأسرة الأوبامية السوداء إلي البيت الأبيض؟ هل يطالبون بتغيير لونه إلى البني؟ أم ينبري أحدهم وتجرى على لسانه ما تفوه به الأوائل وهم يرون بلالاَ يؤذن من فوق الكعبة يوم الفتح.
إنها العنصرية الكريهة…… حاضراَ وماضياَ. حماني الله وإياكم منها.
(تجاورت سكناَ مع باراك حسين أوباما وأسرته. وكانت طفلتاه تلعبان بالقرب منى وأنا أتصفح في صحيفة. ويقبل على باراك ويسألني إن كنت سوف أشاركهم الاحتفال بدخول البيت الأبيض. لم تكن بحوزتي دعوة! طلب منى باراك أن أرتدي بدلة ورباط عنق بلون معين وسوف يأخذني معه إلى مكان الاحتفال الساعة السادسة مساءَ.
هذا ما رأيته في المنام قبل نشر هذا المقال. وحتى يصلني تفسير ابن سيرين دعوني أعيش مع أحلامي فوق سريرين.

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *