حاكم دارفور النمساوي اليهودي (1) … “عبدالله شريف”

 قبل سنوات مضت، وبينما كنت أتجول بين أزقة فيينا أمتع النظر بمشاهدة مبانيها العريقة وقصورها الخلابة، إذ تذكرت فجأة رودولف سلاطين باشا صاحب كتاب “السيف والنار فى السودان”. والذي عند صدور طبعته الأولى  نفدت فى زمن وجيز، فقد انتشر الكتاب وسط الشباب الأوروبي انتشار النار فى الهشيم واعتبر من أشهر الكتب وقتها، الكتاب أعيدت طبعته الألمانية فى تسعينات القرن الماضى. وهذه ردود أفعال أوروبية مدروسة أعتدنا أن ندفع ثمنها نحن سودانيو المهجر الأوروبي منذ أن شرع أولو الأمر فى بلادنا ممارسة القطع والصلب والقتل بتهمة الردة. وأجدني هنا غير متوافق مع ترجمة دار عزة للنشر فى إحلال البندقية مكان النار، فالنار هنا إشارة للعذاب كما السيف للقهر، والله أعلم.
تسلم عبد القادر (رودولف سلاطين) قبل أكثر من مائة عام عندما كان فى سودان المهدية، خطاباً  من أهله فى فيينا مصحوباً بهدايا لخليفة المهدى. وقد شكره الخليفة عبد الله ود تورشين وطلب منه أن يحث أهله فى النمسا على الهجرة إلى أمدرمان – جنة الله فى الأرض.
مشهد الخليفة وسلاطين لم يفارقني وأنا أجتهد فى البحث عن مقبرة ذلك المحارب النمساوي الذى دخل تاريخ السودان من أوسع أبوابه. مات سلاطين فى فيينا فى العام 1932م، ودلني على مقبرته فى الحي الثالث عشر بائع زهور طاعن فى السن، وتفضل بتوجيهي للزقاق الذى يحمل اسمه فى نفس الحي. سألت ساكني البناية الثانية والرابعة والسادسة فى زقاق سلاطين عمن يكون سلاطين؟ لاذوا بصمت عجيب. وفى المقابل عندما كنت فى السودان العام الماضي مع باول حفيد سلاطين، ذهبنا إلي حفل فى أمدرمان. وكنا ما أن نذكر اسم سلاطين حتى يسلم عليه السودانيون سلام المعرفة ولا يذكروا له إلا خيره، وهذه من حكم ووعى السودانيين. وسمعته يردد: مشهور فى السودان ومجهول فى النمسا.
ولد رودلف سلاطين باشا فى  حى سانت فايت -نفس الحى الذى مات فيه – فى فيينا فى العام 1857 من عائلة يهودية الأصل. وكان جده الرابع من كبار موظفي الإمبراطورية النمساوية، فتحولت عائلته للمسيحية، ولكن عقيدتهم الدينية لم تكن راسخة. عمل رودولف فى بداية حياته بائعاً للكتب. وذهب سائحاً إلى السودان وهو ابن سبعة عشرة سنة عن طريق أسوان حتى وصل إلى جبال النوبة حيث مركز البعثة الكاثوليكية النمساوية. ومن ثم قصد الدخول إلى دارفور. لكن من سوء حظه أن مرسوماً رسمياً صدر بمنع الأجانب من التواجد فى دارفور وذلك بسبب النزاعات وزعزعة الأمن.
رجع رودولف إلى الخرطوم وهنالك قابل إدوارد شنيتزر المشهور فى تاريخ السودان بأمين باشا.
أمين باشا يكبر سلاطين بسبعة عشرة سنة. ولد فى ألمانيا فى أوبلن بمقاطعة شليزين لعائلة يهودية. وعندما توفى والده تزوجت أمه من ألماني بروتستانتي، فتحولت الأسرة إلى البروتستانتية. كان أمين متميزاً فى دراسة العلوم الطبية. ولدهشة الجميع فقد قطع دراسته وهو على أعتاب التخرج ليلتحق بخدمة الحكومة التركية ومن بعدها جاء إلى الخرطوم ليلحق بغردون فى جنوب السودان وتم تعيينه حاكماً للادوفى الاستوائية.
أشياء كثيرة جمعت بين أمين باشا وسلاطين باشا.ولا غرو أن يطلب سلاطين من أمين أن يزكيه عند حضرة الباشا غردون.
ذهب أمين إلى جنوب السودان ورجع سلاطين إلى النمسا نزولاً عند رغبة أسرته، وشارك فى حرب البوسنة 1878. وفى أثناء وجوده فى البلقان تسلم خطاباً من الجنرال غردون باشا يدعوه للمجيء إلى السودان والعمل تحت إدارته فى خدمة الحكومة المصرية والتي كانت تحت الوصاية البريطانية. فرح سلاطين فرحاً شديداً لتسلمه ذلك الخطاب، لأنه كان يحلم بمنصب كبير فى تلك البقاع النائية. رجع سلاطين من البوسنة إلى فيينا وقضى فيها ثمانية أيام مع أسرته قبل أن يودعهم فى يوم 21 ديسمبر 1878 متجهاً إلى السودان عن طريق تريستا ثم القاهرة. وما كان يدرى أنه سوف يغيب عن أهله سبعة عشر عاماً يرى فيها العجائب والأهوال والسيف والنار.
عند وصوله الى السودان للمرة الثانية استقبله الجنرال غردون باشا أحسن استقبال واسكنه منزلاً ليس ببعيد عن سرايا الحاكم، وعين له من يقوم بخدمته. ولم يمض وقت طويل إلا وقد تسلم زمام منصبه الجديد كمفتش للضرائب. لم تكن لسلاطين سابق خبرة بهذا النوع من العمل، فواجهته مشاكل ما كان يتصورها، خاصة الرشوة والمحسوبية والقبلية، فلم يستطع الاستمرار، فاستقال. وبعد فترة قصيرة استدعاه غردون الى دارفور لإخماد الحركات الثائرة بسبب الضرائب ضد الحكومة، فصار حاكماً لدارفور.

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *