حاكم دارفور النمساوي اليهودي (4) … “عبدالله شريف”

 ذكرنا فيما مضى أن سلاطين باشا ولد في فيينا وينحدر من أسرة يهودية الأصل، كأسرة أمين باشا الذي حكم إقليم اللادو في جنوب السودان. وبعثه غردون باشا إلى دارفور لإخماد الثورات التي اندلعت وانتصرت للمهدية. وتعرضنا لإسلامه واستسلامه وختانه وبيعته وحنثه ومناصرته لغردون.
ثم حديثه عن بداية الفتن بين السودانيين عندما لاحت بواكير النصر والسلطة، وتبرئ المهدي من أهله الأشراف.
كل ذلك حدث وسلاطين الأجنبي يرى ويراقب دون أن يكون له دور. ولكن وقتها ما عرف القوم نظرية المؤامرة والمصالح المشتركة بين الدول، وإلا ما فاتهم الاستفادة من عرض أولفيه الفرنسي، وفى  زمن قادم من حكمة ملك الأحباش في حقن الدماء والتضامن ضد الأعداء.
الاثنين 26 يناير 1885م، يوم لن ينساه سلاطين باشا. فقد سقطت فيه الخرطوم وصارت في يد الدراويش – المهديين.
يقول سلاطين أن أحد الدراويش ويدعى شطة تقدم نحوه وفى يده قماش مشرب بالدم قد لف على شيء وكان وراءه جمهور من الناس في هرج ومرج.ثم حل شطة القماش وأخرج رأس غردون.!!!
فدار رأس سلاطين وشعر كأن قلبه قد توقف. ولكنه جمع قواه وضبط نفسه ونظر إلى هذا المنظر المفزع وهو صامت، وكانت عينا غردون الزرقاوان قد فتحتا إلى النصف. أما الفم فكان في هيئته العادية وكان شعر رأسه وعارضيه قد علاهما الشيب. وقال شطة لسلاطين وهو ممسك بالرأس: أليس هذا رأس عمك الكافر؟
فأجاب سلاطين بهدوء(والله أعلم): وما في ذلك؟ جندي شجاع وقع وهو يقاتل. إنه لسعيد إذ انتهت آلامه.
فقال شطة: ها ها لا تزال تمدح الكافر. وسوف ترى النتيجة.
يقال أن محمد النوباوي هو أول من طعن غردون بالرمح – الحربة. وذكروا أيضاً أن المهدى كان في نيته أن يقايض غردون بعرابي باشا في مصر أملاً في أن يساعد عرابي المهديين في فتح مصر.
ظل سلاطين في السجن وكبلوه بقيد يسمى الحاجة فاطمة، وزنه حوالي ثمانية كيلو جرام. وعند زيارة الخليفة للسجن خاطبه سلاطين في زلة وانكسار: أنا يا مولاي من قبيلة غريبة وقد جئت أطلب حمايتك فحميتني. ومن طبع الإنسان أن يخطئ ويذنب إلى الله والى الناس. وأنا قد أذنبت ولكنى الآن أتوب. أتوب إلى الله والرسول. هاأنذا يا مولاي في القيود والسلاسل أمامك. هاأنذا عريان جوعان أفترش الأرض وأرقد هنا صابراً أنتظر قدومك لكي تعفو عنى. مولاي إني أتذلل لك وأرجو أن تفرج عنى، ولكن إذا رأيت بقائي في هذه الحال التعسة فأدعو الله أن يقويني على تحملها.
قال الخليفة: (منذ مجيئك من دارفور عملت كل ما يجب أن يعمل لأجلك ولكن قلبك بقى بعيداً عنا وأردت أن تلحق بغردون الكافر وتحاربنا في صفه ولقد وفرت عليك حياتك لأنك أجنبي ولكن إذا كنت قد تبت حقيقة فأنا أعفو عنك). ونادى على السجان أن يفك قيوده وينزع سلاسله و اشترط عليه أن يطيع الأوامر وأن يجلس طول النهار مع الملازمين – حرس الخليفة. وإذا خرج الخليفة خرج سلاطين  يركض بجانبه حافي القدمين.
مسكين هو حاكم دارفور السابق وسبحان مغير الأحوال ومبدل الأزمان، مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز ويذل من يشاء.
استرد سلاطين حريته المحدودة، وشرع في بناء داره التي تبعد حوالي الأربعمائة متر عن دار الخليفة. ولكن عندما ازدادت شكوك الخليفة حوله أبدله ود عدلان، أمين بيت المال، بيتاً لا يبعد عن بيت الخليفة إلا مائة مترا.
باول حفيد سلاطين لم يهتد إلى مكان سكن جده  إلا العام الماضي عندما حاولنا معاً ودخلنا بالسيارة في ذلك الزقاق شرق مبنى مركز حزب الأمة، وبوصولنا إلى الركن الشمال الشرقي للمبنى رأينا اللوحة وقد كتب عليها أن منزل سلاطين كان في ذلك المكان. أخذنا صوراً عديدة أعلم أنه سيكون لها شأن في ليلة عيد الميلاد عندما تجتمع الأسرة في فيينا. وطرحت فكرة لباول أملاً في مناقشتها مع عائلته وتتلخص في أن نطلب من الأنصار تخصيص ذلك الجزء من المبنى ليكون متحفاً نجمع فيه آثار سلاطين المنتشرة بين النمسا وبريطانيا والسودان. ولا أشك في أن ذلك سوف يكون له مردود طيب في تقوية العلائق السودانية النمساوية، ويكون له صدى في الإعلام والسياحة الأوروبية. إلا، وأصدقكم القول أنني لمست فيه توجساً أوروبياً وتردداً تعودت على فهمه – وهى طايره – كما يقول إخوتنا في مصر. وعشان نخت النقط فوق الحروف…. وين تمثال بابكر بدرى؟… ووين كتشنر الراكب جمله؟.
ونواصل.

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *