حاكم دارفور النمساوي اليهودي (5) … “عبدالله شريف”

 في وصفه لقادة المهدية..
يقال أن إعادة فتح السودان على يد كتشنر،لعب فيه رودولف سلاطين باشا دوراً مفصلياً. فقد كان لتقريره والذي أعده للمخابرات البريطانية بعد هروبه العجيب من نار وسيف المهدية، الأثر الناجع في نجاح حملة كتشنر باشا لفتح السودان. هروب سلاطين من أم درمان ووصوله سالماً إلي الأراضي المصرية من القصص التي تصلح أن تكون فيلماً سينمائياً. ومن يدرى لعل الفكرة موجودة في النمسا أو السودان أو في مكان قصي ولكنها لم تنطلق بعد.
في هذه الحلقة الأخيرة من قصة حاكم دارفور النمساوي اليهودي أود أن أتعرض لشخصيات في الثورة المهدية  معروفة ومشهورة للجميع، إلا أن أكثرنا لا يستطيع تصورها.فلم تكن الكاميرا قد وجدت طريقها إلى دولة المهديين، ثم أن رسم الشخصيات لم تكن ضمن ثقافتهم.ولكن بدخول كتشنر عرف السودان التصوير والتوثيق – حسب علمي. ولذلك شاهدنا محمود ود أحمد أسيراً، والأمير عثمان ذقنه مكبلاً في قيوده، وهو القائل لصديقه الذي خانه ودل الإنجليز إلى مخبئه:أرجو ألا تكون قد بعتني للإنجليز بيعاً رخيصاً.
سلاطين  ونعوم شقير وبابكر بدري،  بذلوا جهداً مقدراً في وصف قادة المهدية. ونقل معلومات عنهم لا يتكرم بها كثير من السودانيين. لأننا لم نتحرر بعد من العصبية العرقية والدينية. وما زالت هنالك شخصيات وأحزاب تتأثر بذلك التأريخ في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذا ما حدا بالمعلم والمحارب في المهدية – بابكر بدرى – أن يطلق قولته الشهيرة: إن أصدق التاريخ ما كتب في عصره وصدقه معاصروه.
أبو كدوك
يعتبر حسن أبوكدوك شيخ قبيلة البرتي من أصدقاء سلاطين باشا المقربين، قبل، وأثناء، وبعد المهدية. وقبيلة البرتي لمن يجهل قبائل دارفور من القبائل الكبيرة وتعتبر أم كدادة حاضرة لهم. السحنة الأفريقية غالبة عليهم رغم أن بعضهم يدعى نسباً بالأشراف العباسيين، شأن كثير من قبائل السودان. وهم يتكلمون العربية بلهجة دارفورية فاشرية. ويقال أنه كانت لهم لغة أفريقية اندثرت!!! يا الله!!!. لغة وتندثر!!!!!!!. أعلم أن هنالك في سوداننا اليوم من يتمنى تلاشى كل اللغات في السودان إلا العربية ظناً منه أن في ذلك خير للبلاد والعباد. ولا نملك إلا أن نقول لهم سلاماً سلاماً. مسئولية الحفاظ على اللغات في السودان مسئولية تقع على عاتق الدولة أولاً لأنها ممسكة بإمكانات البلد، ثم بعد ذلك على أبناء تلك القبائل المتعلمين المثقفين، ومنظمات المجتمع المدنى. ومن الأفضل أن نقوم نحن السودانيون بهكذا جهد وإلا قيض الله للأمر قوم لهم مآرب أخرى ويدرون ما وراء المشروع من فوائد ومصالح. نعود إلى البرتي ونقول أنهم مسالمون وأهل حكمة وسياسة ونكتة ومرح. لا يعرف عنهم الحمق ولا العداوة ولا البغضاء. وتكاد تكون بلدة أم كدادة من أوائل المدن  السودانية التي خلت من الأمية.
منح أبو كدوك لقب بك من قبل غردون، ويصفه سلاطين بأنه كان كهلاً ومفرطاً في السمنة، ووجهه مستدير وعريض المنكبين، وكان دائم الابتسام ويحب البهجة. أما أخوه إسماعيل فعلى النقيض منه. كان نحيفاً وطويلاً ويميل إلى الجدية ولا يعرف المزاح إلى نفسه سبيلاً. وأن الأخوين لا يتفقان إلا في حبهما لشرب خمر البقو (مريسة لا تفسر كخمر عند كثير من أهل دارفور). كان حسن وأخوه إسماعيل يتباريان ويتسابقان أيهما يفرغ إناءه (دلنقه) قبل الأخر. وانتهت تلك البهجة بقيام الثورة المهدية وقد صار حسن أبو كدوك ملازما (ياوور) للخليفة، وكثيراً ما كان يخفف على سلاطين قسوة الحياة بابتسامته وروحه المرحة.
أبو عنجه
حمدان أبو عنجة، والذى يتنازع نسبه الدارفوريون والنوبة والدينكا، يعتبر من أشد قادة المهدية بأساً وأكثرهم جرأة وأخلصهم للخليفة عبد الله. حزن الخليفة لموته وبكاه أصحابه والجيش كله، لأنه كان محبوباً من الجميع. رثاه محمد المجذوب الطاهر:
حمدان أنك طالما سمت العدى
ذلاً وذكرك في المحافل يرفعُ
ما وجهت رايات نصرك وجهة
إلا وبالظفر   المؤكد   ترجع
فلك الهنا بلقاء ربك شاهراً
سيف الجهاد وكل  قرمٍ  تقمع
فسحائب الرضوان تغشى تربة
ضمتك ما  نجم يغيب ويطلع
كان حمدان طويل القامة، ولونه يميل إلى السواد الناعم كالأبنوس، وبنيته قوية، وتبدو عليه هيبة القيادة، وكان عادلاً وأخلاقه حميدة، ورأيه سديد. نقش على خاتمه: (وفق يا ذا القدرة، عبدك حمدان أبو عنجه).
يعقوب جراب الرأي
هو شقيق الخليفة الأصغر ويبدو أقصر من أخيه، وأكتافه عريضة ووجهه مستدير به أثار الجدري، وأنفه مرتفع وله شاربان ولحية خفيفة. حظه من الدمامة أكثر من الجمال والوسامة. وكان يبتسم محاكياً المهدي وخليفته. (كاتب المقال لاحظ  بعض تلاميذ الترابي يحاكونه في التبسم والكلام، فالتاريخ يعيد نفسه بعد مائة سنه).
يعقوب لقب بجراب الرأي لرجاحة عقله وقوة حجته.
الخليفة عبد الله
لونه أسمر ووجهه ذو ملامح عربية فيه بقية من أثار الجدري، وأنفه منقاري وفمه حسن و أسنانه بيضاء. كان ربعة بين القصير والطويل، ووسطاً بين السمن والنحافة، وجبت مرقعة. أبوه السيد محمد رجل دين وينتمي إلى أولاد أم صرة – بيت الجبارات في قبيلة التعايشة. ويقال أن أسلافه من قبائل الفلاني المنتشرة بين السنقال وموريتانيا وإقليم سوكوتو بنيجيريا واستقروا وانصهروا في حاكورة التعايشة. كان في بداية الثورة المهدية نحيفاً ومنشرحاً النفس، أما بعد توليه الخلافة فقد صار منقبض النفس وسميناً.كان محباً للملق والمداهنة وميالاً للشك وشديد القسوة على أعدائه حسب رأى سلاطين. و كان شديد الاهتمام بمظهره وملبسه، وتفوح منه رائحة الطيب، وكانت نساؤه فوق الأربعمائة، أربعة شرعيات والبقية سرارى. وجمع بين البيضاوات والحبشيات، والبقاريات، والجعليات. نساؤه الشرعيات هن: زهرة التعيشية، والسرة بنت وقيع الله الجعلية، ونفيسة بنت بابكر القاسمي، وأم كلثوم بنت المهدي. له من الأبناء واحد وعشرين. وكبير خصيانه يدعى عبد القيوم، وقد عهد إليه تحديث بيت الخليفة وإدخال المدنية فيه.
المهدى
كان طويل القامة كبير الرأس، عريض الوجه، اسمر اللون، أدعج العينين، واسع الجبين، أقنى الأنف، واسع الفم عريض الشفتين، عظيم المنكبين، ضخم العظام وواسع الكفين والقدمين. مقطوع الوجنتين، في كل وجنه ثلاث مقاطع (شلوخ نوبية). مستدير اللحية وخفيف الشاربين. كان يحلق رأسه ويحسن لحيته ولباسه الجبة والعمامة. كثير التبسم ويظهر من تبسمه فلج أسنانه فلقب بأب فلجه، ولهذا كانت النساء تحبه. زوجاته خمس – بنات أحمد شرفى، وفاطمة بنت عمه، وبنت حجازى، وعائشة بنت إدريس الفلاتى.
أما سراريه وجواريه فقد بلغن ثلاثاً وستين. أشهرهن بنت جركوك وبنت البهنساوى (بيضاوات)، ومامونه الحبشية وبت الشايقى (عسليات)، وقبيل الله النوباوية ومقبولة الدارفورية (زرقاوات). يعنى ذلك أن كل ألوان الطيف كانت ممثلة في بيت المهدي. وله عشر من البنات وعشرة من البنين. أشهرهم عبد الرحمن بن مقبولة الدارفورية ذات الصلة بقبائل الجنوب.
السيد عبد الرحمن بلغ شأواً عظيماً في الدين والسياسة والاقتصاد. كان ذكياً وحكيماً في إدارة شئونه. كريماً سخياً على عياله وأقربائه وأصحابه في الخرطوم وأم درمان. أما على أنصاره الغبش في الجزيرة أبا والنيل الأبيض والأزرق ودارفور وكردفان، فما كان ينفق إلا بمقدار. ومساهمة الأنصار في دعم دائرة المهدي الاقتصادية معروفة للجميع، ثم أن مال الزكاة كان يجمع بهمة وحماس من وكلاء الإمام لصالح التكية ودائرة المهدي.
السيد عبد الرحمن ولد بعد موت أبيه. لذلك كان دائم السؤال عن أوصاف أبيه المهدي. ويحكى أن  المعلم بابكر بدري والمؤرخ محمد عبد الرحيم (جد هاشم بدر الدين صاحب الترابى) وآخرين، كانوا يشاركون السيد عبد الرحمن شرب شاي العصرية. فسألهم السيد عبد الرحمن عن لون أبيه المهدي وقد شاهدوه. فابتدر الحديث بابكر بدري، ومشهور عنه أنه كان ينمق الكلام للسيد عبد الرحمن، وعكسه تماماً المؤرخ محمد عبد الرحيم، الذي لا يحب المجاملات والمداهنات. قال بابكر بدري: هو المهدي  ما كان عنده لون واحد – مرة تلقاه أصفر، ومرة أخضر، ومرة أحمر، ومرة قمحي، ومرة……………!!!. فتضايق المؤرخ محمد عبد الرحيم من هكذا تقريظ فصاح في وجه بابكر بدري: الحكاية شنو…….. أصلو هو….. كان حربوية!!!!

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *