مع الأمين جميل وسنواته الهندية … “عبدالله شريف”

 لحظات جميلة تلك التي تجمعني بكاتب ويهدى إلىّ بثمرة مداده، وتنتابني ساعتها أحاسيس شتى، موزعة بين فرح وسرور لما أنجز ورأفة و شفقة عليه لما بذله من جهد ومال. وتمر بخلدي وقتها مراحل صنع ذلك السفر، من ولادة للفكرة وجمع للمادة، فتدوين وتنقيح، ثم استشارات وطباعة وإعادة طباعة. ويأتي بعد ذلك النشر والتمويل والتوزيع.
كان ذلك عند لقائي الأول والسعيد بالأخ الكاتب الأمين جميل، حفظه الله وجزاه خيراً أن أهداني نسخة قيمة من كتابه: أعوام مع الشريف حسين الهندي.
ولشخص مثلي ولد في جزيرة أبا وعاش أحداثها في العام 1970، فإن لذكر الشريف حسين الهندي طلاوة، ووقع خاص ومميز في النفس، لما كنا نسمع من حكايات وروايات أهلنا الأنصار عن الشريف، وصفات وخصال تميزه عن بقية السياسيين، أجاد الكاتب جميل جمعها وتوثيقها وسردها. ثم أرى الكاتب متصالحاً مع نفسه صلاحاً أحسده عليه وممارساً لنقد ذاتي لم نتعوده ومتدثراً بثوب حياد وسروال شفافية من شأنها أن تغضب الأقربين. زاده وعدته نفس كبيرة ووعي مبكر ورؤية مستقبلية لم تتوفر لأقرانه في ذلك الزمان، ثم بيوت كريمة حظي بالانتماء إليها، كانت (خير من ركب المطايا……. وأندى العالمين بطون راح).
أثار فيّ كتاب الأمين شجون فترة قضيتها بلندن في صيف 1980، حيث كنت على مرمى حجر من لقاء الشريف حسين الهندي، وما يدريك لعلي وقتها نلت شرف التعرف على الأمين جميل وتبادلت معه هواجسنا وأحلامنا الشابة وطموحاتنا في أن يهدى الله أولى أمرنا لتكوين حزب وسط يجمع بين الاتحاديين وحزب الأمة والختمية والأنصار. كنت واثقاً من أن هكذا مشروع وطني فالشريف فارسه ومهندسه، لما له من قدرات وصلات بالأنصار أكسبته حبهم وإخلاصهم. كان الشريف ذلك (البعبع) الذي لا ينام ولا يدع غيره ينام، ولذلك اجتهد المايويون ومن لف لفّهم في القبض عليه حياً أو ميتاً. كذلك كنت متيقناً من أن هكذا تجمع هو خير خلف لحكم مايو الذي طال أمده. ثم أن تلك القوى الجديدة لا بد وأن تعتبر بدروس قاسية ومريرة مرت بها أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي وتوابعهم من الإخوان المسلمين في الأعوام 1970 و 1975 و 1976. عبرة ترسي وتعمق مفهوم العمل الديموقراطي، والتسلح بالتربية  والتدريب لتلقين الشباب علماً يستبينوا به سبل الحياة وقبل ذلك أخلاقا. أخلاق تنأى بهم عن الانتهازية البغيضة والميكيافيلية. فيا لها من أحلام!! ومالو؟ ما نحن شعب بيحلم والأحلام جزء من الحياة!!
مات الشريف فانكسر المرق واتشتت الرصاص.
بعد موته بعام حملتني الأقدار إلى منزل السيد الصادق في لندن، فوجدت نفسي تحت سقف واحد مع أربعة انتقلوا جميعاً إلى الرفيق الأعلى (الوالدة رحمة، والسيدة سارة الفاضل، والسيد صلاح الصديق، والعم بدر صهر الفكي الرشيد إمام جامع الكون في أبا)، رحمهم الله جميعاً. كان لقاء أحباب! ما أحزاب! فلم تعرف نفسي التحزب حتى يوم الناس هذا.
مع صلاح الصديق تذكرنا الشريف وترحمنا عليه. كان صلاح رجلاً عظيماً ذا فكر ثاقب وهو يشارك الأمين جميل مناداته بالإصلاح السياسي، وبضرورة تطوير العمل الحزبي والرقي به.
قال الكاتب أن الشريف قد أخفق في توريث اللاحقين مؤسسة حزبية متماسكة. وهذه منقصة لا تلاحق  الشريف وحده كما ذكر الكاتب، وإنما هي صفة ملازمة لزعمائنا وأحزابنا التي تسمى مجازاً وطنية!!!
من وجهة نظري أن في المال  مفسدة للتربية السياسية إن كان مصدره الهبات أو التسول. وإلا فقل لي بربك من في تاريخ السودان لم يذق طعم مال الأجنبي باستثناء المهدي وخليفته، وعثمان دقنة وعلى دينار، ودينق ماجوك ومحمود محمد طه.
والمال الذي نعنيه هو مال الإنجليز ومال المصريين، ومال القذافي وصدام، ثم مال الخليج وبن لادن.
وللحقيقة، فإن الشريف حسين كان أنبلهم وأكرمهم وأشرفهم، وده كلام احتكاك ومعايشة وسفر طويل.
هل تذكرون رد الشريف الكريم والبليغ للشاعر صلاح أحمد إبراهيم عندما ناشدنا الشاعر في الثمانينات بدعم مجلة البديل؟
لذلك أرى يا أخ الأمين أن التربية السياسية الناجحة تبدأ بالالتزام فالاعتماد على الذات مادياً، وبث روح العمل والإنتاج في الرعية، ثم درس عصر في أدب الشفافية والنقد والمساءلة.
هل يا ترى في مقدور الأستاذ (الدود،وحاشا أن يكون أبلانج) على محمود حسنين، إكمال ما بدأه الشريف قبل ثلاثين عاما؟
أشاد الكاتب بالتشاديين، وأشار إلى العلائق التاريخية والاقتصادية والدينية والثقافية التي تربطهم بسودان اليوم.
علائق للأسف لم تجد الرعاية المطلوبة من مركز القرار في السودان في الخمسين سنة الماضية، فكان الحصاد جهلاً بالمسلمات واستثماراً في العداوات. وهنا أقتبس من كتاب الوزير المتمرد، للمهندس مرتضى أحمد إبراهيم ص 169: (هفوة السيد بابكر عوض الله عند مناقشة تقرير تحسين العلاقات مع تشاد وأفريقيا الوسطى:
عندما قرر مجلس الوزراء إرسال وزراء لزيارة الدول المجاورة لتحسين علاقات السودان معها، وكما جاء ذكره من قبل، كان من نصيبي السفر إلى كل من يوغندا وأثيوبيا. الأولى لأني كنت أعمل فيها من قبل، وثانياً فهي دولة من دول حوض النيل، أما أثيوبيا فهناك بحيرة تانا منبع النيل الأزرق شريان الحياة لكل من مصر والسودان.
كما سافر إلى تشاد وإفريقيا الوسطى كل من الدكتور محيي الدين صابر وزير التربية والتعليم والدكتور أحمد الطيب عابدون وزير الثروة الحيوانية، وذلك لأنهما يتكلمان اللغة الفرنسية اللغة الرسمية للبلدين. وبعد عودتهما قدما تقريراً للمجلس عن نتائج رحلتهما. وأثناء استماع المجلس لعرضهما الذي أكدا فيه دعمهما لرغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما مع السودان الذي هو البوابة الرئيسية لهما على العالم الإسلامي والأراضي المقدسة، كان واضحاً حماس الوزيرين لذلك التوجه.
وفجأة قاطعهما السيد بابكر عوض الله وكان لا يزال رئيساً للوزراء محتجاً على تدفق الأفارقة السود إلى السودان مؤكداً عروبة السودان ودعم التدفق العربي من الشمال والشرق بدلاً مما ينادى به الوزيران، مضيفاً “مش كفاية اللي حاصل لنا من الجنوبيين” قال ذلك دون أن يتذكر وجود كل من الوزيرين أبل الير وجوزيف قرنق، وقد كان إحراجاً واضحاً انتبه إليه بعد فوات الأوان، ولكن كان الوزيران الجنوبيان على مستوى راق من الأخلاق وضحكنا جميعاً على مشاعر مولانا بابكر عوض الله والتي كانت معروفة عنه في تعصبه العربي المصري الشديد، بل بصورة أقوى نحو مصر بالذات.) انتهى الاقتباس. وآسف للإطالة، لكنها مهمة خاصة إذا ما قرنت بما ذكره وزير الداخلية سابقاً الفريق مهندس عبد الرحيم محمد حسين – صُعد وزيراً للدفاع بعد انهيار المبنى الشهير – عن دارفور والدارفوريين بمناسبة الحريات الأربعة في ندوة الأهرام القاهرية. وقتها كلم عبد الرحيم المصريين عن ضرورة تدفقهم صوب شمال السودان والاستقرار فيه لمواجهة تكاثر الغرابة في السودان. ولم يسمع المصريون الكلام. وصدق من قال التركي ولا المتّورك.
كل من بابكر وعبد الرحيم لم يقدم اعتذاره، لأنهم قوم لا يعترفون بخطأ ارتكبوه وبالتالي لا توجد في قاموسهم كلمة اعتذار أو محاسبة.
ثم رأيت الكاتب يولي مسألة التدخل الدولي في السودان اهتماماً  وتحليلاً تضاءلت معه مأساة دارفور وجرم المسئولين. كنت ظننت، وليس كل الظن إثم، أن صلته بالفاشر الثانوية ربما وفرت له شهود عيان يحدثونه عما حل بأهليهم وزرعهم وضرعهم وقراهم، في صفحة أو صفحتين من صفحات الكتاب التي بلغت مائة وخمسين.
نعم للدول الغربية مصالح، وينبغي أن يكون لها ذلك. وحقيقة لا يختلف عليها رأسان أننا نعيش وسطهم، ونحمل جوازاتهم، ونعرف خيرهم وشرهم. لكن ما يرتكبه إخوة لنا في حقنا من ظلم وجور وفجور في الخصام، يجعلنا أكثر حيطة في استعمال المصطلحات (دولية، وطنية، إسلامية، علمانية، كفرة، فجرة، وهلم جرا.)
جاء في كتابك الجميل: (الحملة الدبلوماسية والإعلامية التي يتعرض لها السودان وتديرها بعض الدول المتنفذة….). وأنا بقول ليك يا عزيزي: بيدي لا بيد عمرو، وكلام زى دى ما يبسط الشريف، والله عالم.
الشكر موصول لك حيثما تكون.

مقالات عبدالله شريف>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *