مصطفى الفقي.. الذي عرفناه … “عبدالله شريف”

سمعت أن الدكتور مصطفي الفقي وصف حكومة الإنقاذ بأنها الأسوأ في تاريخ السودان، لأنها تسببت في تقسيم البلاد التي تسلمتها موحدة. وسمعت أيضاً أنه القائل، ألا مفر لحكومة الإنقاذ من أن تمتثل للشرعية الدولية، وهذا يعني أن يتقدم فخامة الرئيس المشير – عمر حسن أحمد البشير – من ناحية حوش بانقا وكوبر سابقاً، وعمارات كافوري حاضراً، وبطل صيف العبور والمغيرات صبحاً، نعم أن يتقدم ويقوم بتسليم نفسه لمحكمة الجنايات في لاهاى، اليوم قبل الغد.
إن كان هذا حقيقة ما صرح به الدكتور مصطفي الفقي، والذي عرفناه وعاصرناه هنا في فيينا في النصف الثاني من تسعينات القرن المنصرم، فإنه والله صادق وغلطان!!
يا أخوي مصطفي إنت من حبك وتقديرك للسودان والسودانيين صرت طيباً مثلهم، وتقول ما يجيش بصدرك… للأعور أعور!! هل كل ما يعرف يقال؟ وجاء وقته؟ وحضر رجاله؟ وهيأوا له مكانه؟
وسمعت أيضاً من قبل أنك القائل في زمن الرئيس حسني مبارك، أن رئيس مصر المقبل لابد وأن ينال رضاء وقبول أمريكا وإسرائيل!! وذكّرت الأعراب في الخليج بأن مصر علّمت وطبّبت وهندّست!!
في هذا السياق أجد نفسي مجتراً لبعض كلمات صغتها قبل سنوات خلت أوردت فيها اسم الفقي أكثر من مرة:
في نهار قارس البرودة كنا وقوفاً في بهو مبني الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية فيينا، وأعلام الدنيا تتدلي من فوقنا – مجموعة من الصحافيين العرب – أشار أحدهم إلى “الزول” السوداني في زيه الوطني. إنه السفير أحمد عبد الحليم – أمين الفكر والمنهجية قبلها – في أول يوم له في ذلك المكان.. تقدم الجمع نحوه وسلموا عليه: أهلاً بسعادة السفير! وعندما جاء دوري للتحية والمجاملة، قلت له في أدب غير متكلف: أنا زول سوداني، وما تعودت على مفردات سعادتك وسيادتك وحضرتك، وقد حضرنا إلى أوروبا عن طريق الخرطوم – القاهرة ترانزيت. فاسمح لي بأن أناديك ب”عم أحمد”، كما أنادي الوزير مرتضي أحمد إبراهيم” عم مرتضى”.. أبدى موافقته وترحيبه الحار، فأدهش الأعراب. وسرت عبارة العم أحمد في مجتمع السودانيين سريان بخور الصندل في الهواء، فاشتمها بعض الأعراب، ونقلوا إلى السفير المصري مصطفي الفقي أن السودانيين ينادون سفيرهم ب”عم أحمد”. فصار هو الآخر يناديه ب”عم أحمد”. وعندما زرت مصر لأول مرة في حياتي بتدبير من عم أحمد، وحينما كنت وابنه جعفر نتجاذب معه أطراف الحديث في غرفة نومه بالمعادي، ذكّرته بحكاية عم أحمد. فقال لي: لك أن تعلم أنني لما قابلت الرئيس حسني مبارك أول مرة حياني ب”أهلاً يا عم أحمد”.
كان السفير المصري مصطفي الفقي من أميز سفراء مصر في فيينا، كان سفيراً فوق العادة، ويكفيه فخراً أنه بنى لمصر سفارة في فيينا أصلها ثابت وفرعها في السماء. إنه من السفراء المثقفين المنفتحين وهم ندرة. وأكاد أجزم، أن إعادة العلاقات السودانية المصرية إلى طبيعتها كان سببها هذان السفيران الجليلان. كانت فيينا بأوبراها مسرحاً لسعيهما الطيب، وموتسارت بألحانه الدافئة عازفاً له. ويقيني أن الدكتور مصطفي الفقي سوف يفرد لذلك مساحة في مذكراته عن العاصمة النمساوية. ومن الطبيعي أن يقبل عليها طلاب الدبلوماسية من المصريين والسودانيين بنهم وشغف.
في حفل أقامه الصحافيون العرب في فيينا، يودعون فيه سعادة السفير أحمد عبد الحليم، الذي لم يروا مثله في البلاد، انتحى بي الدكتور مصطفي الفقي جانباً وقال لي: في غياب هذا الرجل (يقصد عم أحمد)، أرجو أن تعتبرني الجالية السودانية في النمسا الأخ الأكبر. لقد كان ذلك موقفاً كريماً من الدكتور الفقي، ف”الرجال مواقف”. ذلك موقف لن ننساه، فهنا تتجلى كلمات مثل “مصر الشقيقة”. لقد كنا  محظوظين وسعيدين في أن نعاصر سفيرين من أبناء النيل تركا بصماتهما على مسرح الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية هنا في وسط أوروبا. كان كل منهما يرعى مصالح الآخر في ندية تامة وأريحية واسعة. والحوار الفكري معهما لا تحده حدود، لأنهما كانا أهل حجة ومنطق و(طق حنك).
وموقف آخر لن ننساه للأخ الأكبر مصطفي الفقي، وذلك عندما وقف وبقوة ومعه العم أحمد داعمين النوبيين المصريين بفيينا في تأسيس دار لهم، وقد شاركتهم الجالية السودانية تلك الدار. وحينها جاء من يحذر السودانيين من هكذا تقارب!! لاعتقادهم أن هنالك من يرسم ويخطط لدولة النوبة الكبرى!!! فقطع السفير الفقي قول كل خطيب، وافتتح الدار النوبية المصرية السودانية، وكان بجانبه الوزير مرتضى أحمد إبراهيم – الرئيس الفخري للجالية السودانية. وابتدرا حملة الاكتتاب والتبرعات لصالح الدار، فتسامت وعلت وبلغت شأواً عظيماً. كان الدكتور الفقي يرى في النوبيين جسر التواصل الحضاري بين شطري الوادي العريق.
عندما غادر الدكتور مصطفي الفقي النمسا راجعاً إلى بلده مصر، كنت (كاتب المقال) خارج النمسا، وما زالت الحسرة تملأ نفسي أننا كسودانيين نمساويين لم نتمكن من إقامة حفل وداع يليق بمقامه في نفوسنا. تلك كانت وصية المرحوم عم أحمد لي شخصياً، شاء القدر ألا تنفذ!! ولكن الأيام  بمستقبلها حبلى إن شاء الله. ولسوف نقيم للأخ الدكتور مصطفى الفقي حفلاً قدر مقامه في نفوسنا، ونقترح عليه أن يكون على رأس مؤسسة ترعى أبناء وادي النيل من نمولي في جنوب السودان إلى بور سعيد – ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وتنموياً، ويكون مقرها هنا في فيينا. وعندها سوف يمتلك الفقي حريته في أن يقول ما يريد ولمن يريد، ومافي حد أحسن من حد!!
وفي المرة القادمة أرجو أن أوفق في الحصول على المقال الذي كتبه الفقي عن السفير عم أحمد وأوصله إليّ نيابة عنه أحد القادمين من المحروسة. إن عثرت عليه فسوف أعيد نشره وإن لم يأذن لنا الفقي.

مقالات عبدالله شريف>>

تعليق 1 “مصطفى الفقي.. الذي عرفناه … “عبدالله شريف”

  • 8 مايو، 2017 at 10:36 صباحًا
    Permalink

    هكذ عهدنا بكم دوما .. تعطي كل ذي حق .. حقه .

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *