مؤتمر السودان وأوروبا..ما جدواه؟ … “فؤاد العجباني”

وصلني بتاريخ الخامس من سبتمبر خطاب من المصرف الذي أتعامل معه (وهو بانك آوستريا أو “مصرف النمسا”) يفيدني فيه بأن المصرف يأسف لأنه مضطر لأن يوقف فورا التحويل الشهري الذي أرسله لأسرتي في السودان، مبينا أن السبب في ذلك هو قرار الاتحاد الأوروبي بتطبيق العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان. فتألمت بالطبع للحالة المزرية التي وصلت إليها العلاقات الاقتصادية بين السودان وأوروبا، دع عنك أمريكا، وهي حال لا يعاني منها سوى الشعب السوداني.
وبعد أيام قليلة، وصلتني رسالة من أحد الأصدقاء يفيدني – للعلم – بأن السفارة السودانية في النمسا ستعقد في يوم 10 أكتوبر مؤتمرا بعنوان “السودان وأوروبا: آفاق التعاون من أجل السلام والتنمية في الإقليم” – أو ما شابه ذلك. والمقصود من المؤتمر كما يقولون هو جذب الاستثمارات الأوروبية إلى السودان. والمؤتمر مصحوب بمعرض وبحفل ثقافي (غنائي موسيقي فولكلوري) في اليوم التالي بقاعة الاحتفالات بفندق الهيلتون في قلب فيينا العاصمة، الذي أقام فيه المؤتمرون.
وبغض النظر عن التكاليف الباهظة لعقد مثل هذا المؤتمر والمناسبات المصاحبة له، بما في ذلك سفر المتحدثين والفنانين وإقامتهم وتكريمهم وترحيلهم ومصاريفهم، الخ، وكان عددهم كبيرا بصورة ملحوظة، وانشغال طاقم السفارة بأكمله بمثل هذه المناسبات الدعائية، دهشت من أن المؤتمر ينعقد في وقت تحظر فيه أوروبا التحويلات المصرفية إلى السودان (الشمالي) – وهذا في رأيي يعني المقاطعة الاقتصادية الشاملة نظرا لاستحالة التعامل المصرفي. ولا أدري إن كان المؤتمرون قد ناقشوا هذه المسألة البديهية، وربما كان الأجدى لهم مناقشة موضوع العقوبات الاقتصادية وأسبابها الجذرية وكيفية إزالتها. وقد علمت مؤخرا بأن المؤتمر كان مخططا له منذ فترة وأنه تعذر انعقاده في ألمانيا. وكان ينبغي أن يكون ذلك التعذر إشارة واضحة لمنظمي المؤتمر بأن أوروبا – بقيادة ألمانيا القوية– لا تريد التعامل مع السودان في الوقت الراهن، للأسباب الواردة في قرار العقوبات الأمريكي، الذي أصبح أمريكيا أوروبيا، والمتعلقة أساسا بمأساة دارفور، وبأنه لا جدوى من إقامة مثل هذه الاحتفاليات ما لم تعالج أسباب العقوبات.
وقد دأبت السفارة السودانية في النمسا على إقامة هذه المؤتمرات والاحتفالات المعدومة المردود بتواتر كبير وبمختلف التسميات. وفي رأيي أن مثل هذا البذخ لم يكن مقبولا عندما كانت أموال البترول تتدفق دون حساب، ولكنه غير لائق ومستهجن تماما في وقت يذوق فيه معظم أفراد الشعب، ولا سيما الضعفاء، مرارة الفقر المدقع من جراء الأزمة الاقتصادية الطاحنة ومعالجاتها القاسية.
ومن ناحية أخرى، وحسب علمي، لم تتم دعوة ممثلين للجالية السودانية هنا لحضور المؤتمر كمراقبين أو المشاركة فيه، مع وجود أساتذة في الجامعات وخبراء في الأمم المتحدة ورجال أعمال وغيرهم ضمن أفراد الجالية، في حين تم توجيه الدعوة لكل أفراد الجالية وبعض تنظيماتها للحفل الموسيقي الراقص. ولعل منظمي المؤتمر أرادوا أن يقولوا للجالية ولمؤسساتها المتعددة: “تفضلوا لحضور الحفل الموسيقي الراقص، فهذا هو كل ما ينبغي أن يهمكم”! وليت شعري هل أصبح الرقص فريضة إسلامية؟ ثم إذا كان الغرض من هذا الحفل هو إبلاغ المؤتمرين بأن السودان بخير وتغمره السعادة فالمؤتمرون ولا سيما الأجانب منهم لديهم ما يكفي من العلم علم بكل دقائق الأمور في السودان في هذا الصدد.
أعتقد أن هذه الممارسات تحتاج إلى دراسة لجدواها قبل إقامتها، وإلى مساءلة عن مردودها بعد إقامتها.
فؤاد العجباني-فيينا، النمسا
elagabani@yahoo.com
13/10/2012

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *