حكاية أم ضبيبينة، أو الإنقاذ الدائم … “فؤاد العجباني”

مَثَل حكومة الإنقاذ والشعب السوداني كمَثَل رجل رأى رجلاً مشرفاً على الغرق، فقفز إلى النهر بكامل ملابسه مجازفا بحياته، وأخرج الرجل إلى الشاطئ، وأرقده على بطنه وضغط عليه بشدة عدة مرات حتى أخرج الماء من صدره، وأجرى له تنفسا اصطناعيا، ثم طلب سيارة الإسعاف لتأخذه إلى المستشفى. ولم يكتف بذلك، بل أبت عليه شهامته إلا أن يتبع سيارة الاسعاف بسيارته إلى المستشفى للاطمئنان على الرجل، وبقي معه حتى أُخلي سبيله، فتبرع بأخذه بسيارته إلى بيته، وسلمه إلى أهله وطمأنهم عليه، وبقي لشرب الشربات، ثم تناول العشاء، ثم تسامر مع الرجل طوال الليل، ولم يرض أن يفارقه إلى أن أدركهما الصباح وسكتا عن الكلام المباح واستسلما للنوم، ولم يفيقا إلا على جلبة صينية الشاي. وأخذ الأهل والمعارف والجيران يتوافدون على المنزل للاطمئنان على الرجل وتهنئته بالسلامة، فبقي إلى جانب الرجل يتلقّى التهاني معه من المهنئين ويشكرهم على سعيهم حتى أدركهما الليل، فتسامرا إلى الفجر. وفي اليوم الثالث خرج الرجلان إلى عملهما، وفي المساء حضر الرجل المنقذ ومعه حقيبة ملابسه وأغراضه، وأصر على المبيت مع الرجل عدة أيام للاطمئنان على أنه ما زال بخير. وصار الرجلان يخرجان في الصباح معا ويعودان في المساء متفرقين، حتى طالت بهما الأيام والأسابيع والشهور بل السنوات، والرجل يستحي أن يطلب من منقذ حياته أن يرحل، وأصبح الناس يتساءلون متى يا ترى سيرحل هذا الضيف غير المدعو الذي حضر بليل؟ وفي نهاية المطاف اعتاد الناس على إقامة المنقِذ (بكسر القاف) الأبدية مع المنقَذ (بفتح القاف) وتركوا الأمر لمدبر الأمور، إنه على كل شيء قدير. وما زال الرجلان حتى يومنا هذا يقيمان معا في نفس المنزل، ولا يعلم إلا الله متى يفترقان، ولكن يتنبأ بعض حسني الظن بأنهما سيفترقان بالحسنى، وأن المنقِذ لا شك سيدرك أن الدوام لله وحده، وسيترك صاحبه ليستمتع بحريته في ما بقي من حياته التي أنقذها المنقذ. غير أن متشائمين سيئي الظن يرون أن هذا المنقِذ مات فيه كل إحساس بالآخرين، وأصبح يعتقد أن كل ما يفعله أو يقوله هو عين الصواب، وأن الحق والخير والجمال في جانبه وحده، والهدى فيمن اتَّبعه وحده: “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”، وأن هذا النوع من الناس لا يرعوي إلا ب “الدق والطرد”، مثل غيره من الزبانية، ويتنبأون بأن المسألة لن تنتهي على خير.
ذكرت بعض هذا المثل قبل سنوات عديدة لإخوة اعتادوا أن يلتقوا كل شهر، وطلبوا مني أن ألقي عليهم حديثا، ثم سألني أحدهم بعد الحديث عن رأيي في “ثورة الإنقاذ”، وكانت في ذلك الوقت لم تمض عليها سوى سنة أو سنتان، فقلت لهم إن موقفي منها “مائع”، لأن هؤلاء إخوتنا يرفعون راية الإسلام ولا يمكن أن أقف ضدهم، ولكنني أعارض الانقلابات العسكرية والحكم الاستبدادي من حيث المبدأ، ثم ضربت لهم هذا المثل. ولم أكن أعلم أن شهوة الحكم لن تسمح لأحد بالتخلي عن الحكم طواعية حتى لو بلغ من التقوى ما بلغ.
وكان قد أسعدني، وأسعد الكثيرين، أن أصحاب “الإنقاذ”، بعد أن أشبعوا كل الأحزاب الأخرى شتما وتجريحا في بياناتهم الأولى، لجأوا إلى عقد المؤتمرات التشاورية المفتوحة لجميع الألوان السياسية، بشرط أن يأتوا فرادى، ووعدوا بتنفيذ توصياتها كاملة دون تغيير. ثم شرع أصحاب الإنقاذ في تكوين اللجان الشعبية، ذات النكهة “القذّافية”، لسبب ما، بدعوى الديمقراطية وتسليم السلطة إلى الشعب صاحب السلطة، صدقت الدعوى أم كذبت. ثم انصرفوا عن التجربة القذّافية، لسبب ما، ولكن استمر البناء السياسي حتى تم تشكيل المجلس الوطني، الذي لا أعتقد أن أحدا، مهما بلغ تعصبه، كان يعتبره ممثلا حقيقيا للشعب السوداني. ثم حدثت طامة رئاسة الشيخ الترابي للمجلس وأعقبها ما أعقبها من شتات، وتم حل مجلس الشعب ثم تشكيل غيره، وتوقفت عملية تسليم السلطة الفعلية إلى الشعب رغم استمرار عملية البناء السياسي الزائفة. وجاءت الانتخابات الأخيرة التي كان يفترض أن تنهي حكم الحزب الواحد، فأسدلت الستار على كل أمل في الإصلاح، حيث بلغت درجة عالية من السلامة شكلا وظاهرا (باستثناء هنات قليلة، مثل الجماعة الذين تم تصويرهم بالفيديو وهم يتلاعبون بصناديق الاقتراع – وبالمناسبة: أين هم الآن؟)، ولكن بلغت أقصى درجات العبث من حيث المضمون، ولم تقنع أحدا – سوى السيد كارتر والسيد نافع – بأنها تمثل رأي الشعب السوداني الذي يعرف الجميع رفضه لكل أنواع الدكتاتورية والاستبداد. هذا مع علمي بأن تلجلج الأحزاب المعارضة في خوض الانتخابات بجدية ويقينهم من أن الحكومة لن تجريها بنزاهة كان له الضلع الأكبر في فشل العملية من حيث المضمون الشوري. ولعل بعض أجنحة المعارضة تعتبر بقاء الإنقاذ إلى أن يتم تغييرها بالقوة، انتقاما، أفضل من تغييرها طواعية أو صلحا.
وأحسب أن الشيخ الوقور الترابي، رجل أكتوبر، الذي رسّخ حكم الشورى داخل الحركة الإسلامية يوما ما، فات عليه حين أنهى حكم الشورى داخل الحركة الإسلامية أنه إنما كان يخط بيده شهادة الوفاة لحكم الشورى في عهد الإنقاذ، ففاقد الشيء لا يعطيه. وأحسب أيضا أن سياسة “ريِّسوه وتيِّسوه” التي لعلها كانت أحد تكتيكات الحركة، وربما لازالت، قد لا تجدي في جميع الأحوال، مثل سياسة “المغفل النافع” عند الشيوعيين، فقد ينقلب السحر على الساحر، والتلميذ على أستاذه، وإن طال الزمان. والإسلاميون يسيرون أحيانا على خطى الشيوعيين “حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم”. ومن جاء بالخديعة ذهب بها. ومن حق أصحاب الترابي أن يقولوا له ما قاله أصحاب موسى لموسى: “قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا، قَالَ عَسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِك عَدُوَّكمْ وَيَستَخْلِفَكمْ في الأَرْضِ فَيَنظرَ كيْف تَعْمَلُونَ”، أو ما غنّاه محمد الأمين من شعر الحلنقي: “صِبحت دمعتنا وسادتنا… وكِدا حاول أعرف لينا خلاص”.
وأحسب أن الخطيئة الثانية في عهد الإنقاذ، وأخطاء الإنقاذ وخطاياها كثيرة، كانت قرار تحويل الحركة من حركة تصحيحية وطنية تسعى إلى تمكين الشعب وإقامة سلطة شعبية حقيقة إلى “ثورة إسلامية” تحاول أن تشكِّل الشعب على مقاييسها عنوة، وهيهات، فليس الشعب السوداني كله في إيمان الترابي ولا عزم السنوسي ولا تقوى الحبر يوسف ولا صبر الصادق عبد الله ولا ولا، وليس طه هو النبي ولا نافع هو أبوبكر، وليس الشعب السوداني أهل مكة.
وليس كل ما فعلته الإنقاذ شرا، بل فعلت الكثير من الخير، وسيكون تقييمها بيد الشعب وبيد التاريخ التي لا تجامل. وسأعود لذلك بإذن الله. ولكن مسألة الإنقاذ الدائم هذه تشكل تناقضا في حد ذاتها. وقد طلع علينا السيد النائب الأول مؤخرا بتصريح مفاده أن الإنقاذ “تجدِّد نفسها”. و يا للهول! فنحن إذا أمام إنقاذ لا نهائي قد يمتد جيلا بعد جيل، ولا خلاص لنا منه إلا بالثورة، وليس هذا إنقاذا، بل هو عبودية محضة. فهل يا ترى يهيئ السيد النائب نفسه لخلافة السيد الرئيس؟
كما طلع علينا السيد نافع بتصريح متزامن مفاده أن الحركة الشعبية “إذا اتفقت معنا ستدرك تماما انها تغسل يدها من مشروع السودان الجديد”. وكنا قد سمعنا أصحاب الإنقاذ يقولون لنا حين وضعوا أيديهم في أيدي الحركة الشعبية في مشاكوس أنهم سيعملون معا على بناء السودان الجديد. فهل كانوا يكذبون علينا وعلى الناس في حينها أم هم يكذبون الآن؟ ومن عيَّن السيد نافع وصحبه وصيّا على أهل السودان القديم ليحدد لهم ما يريدونه وما يجب أن يغسلوا أيديهم منه؟
وفي رأيي المتواضع أنه إذا كان التاريخ سيكتب للإنقاذ حسنات فسيكتب لها في أول السطر إنها منحت شعب الجنوب حقه في الكرامة والحرية والاستقلال وتقرير المصير، مثله مثل شعب الشمال، مع أن أصحاب الإنقاذ فعلوا ذلك مضطرين رغم أنوفهم، بعد تراجعهم في البداية عن اتفاق فرانكفورت. فقناعتي أن الأمة السودانية تضم شعبين مختلفين بثقافتين مختلفتين، شمالي وجنوبي، لا تكاد العين تخطئ في التمييز بين أفرادهما بمجرد النظر، ولكن سياسيي الشمال على تعاقب العهود لم يستطيعوا أن يروا ذلك. ولا أدلّ على ما أقول من أن حكومة الإنقاذ لم تجد أي صعوبة في عملية التطهير العرقي التي ارتكبتها وترتكبها في حق الجنوبيين المقيمين في الشمال. هذا علاوة على سكوت حكومة الجنوب والمجتمع الدولي المتواطئ على هذه العملية، فليس هناك ما يضمن لك حقد مواطنيك على حكومة جارك من أن تطرد حكومة جارك أبناء شعبك لمجرد انتمائهم القبلي حتى وإن كان بعضهم يريدون البقاء في بلد جارك كمواطنين عاديين. والذين اعتادوا على السودان الواحد منذ استقلاله تقشعر جلودهم لمثل هذا التطهير العرقي على أساس القبيلة. فهل يشعر أصحاب الإنقاذ بذلك؟ وهل يشعرون بأي شيء؟
ولعل أكبر أخطاء الإنقاذ كان أنها اتبعت منذ بداية عهدها سياسة التعامل مع الآخرين بأسلوب التعالي والغطرسة والإقصاء، إلا إذا جاؤوها خاضعين أذلاء، هذا إذا اعترفت بوجودهم أساسا، فلم تترك لهم سبيلا غير مقاومتها بما استطاعوا من الوسائل. كما رفض أصحاب الإنقاذ إشراك الكيانات السياسية الأخرى في بحث قضايا الوطن المصيرية، مثل قضية الجنوب، وعاملوهم باعتبارهم أشد عداء من الأعداء، وقال قائلهم صراحة إنهم لن يتفاوضوا إلا مع من يحمل السلاح. ولو جاء اصحاب الإنقاذ إلى التفاوض في ملأ من قومهم لكان ذلك أقوى لهم وأقوم.
جوهر الحكم الإسلامي، بلا شك، هو الحرية والعدالة والتآخي، وأي حكومة تفشل في تحقيق ذلك ليست حكومة إسلامية على الوجه الصحيح، وينبغي أن تذهب وتترك للناس الحرية ليقرروا ما يشاءون بمحض إرادتهم. ولن يتحقق حكم شوري دون حرية الرأي والمعارضة، عملا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقوله (ص): “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”. أو كما قال الصحابة للفاروق عمر، وهو من هو، “والله لئن أسأت لنقوِّمنَّك بسيوفنا”، فأين أصحاب الإنقاذ من ذلك؟
فؤاد العجباني-فيينا، النمسا
elagabani@yahoo.com
05/08/2012

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *