يوم الكرامة والعزة لشعب الجنوب … “فؤاد العجباني”

قبل سنوات عديدة، قرأت في إحدى الصحف تصريحا لمسؤول كبير من مسؤولي الإنقاذ في وزارة الخارجية السودانية، عندما سئل: لماذا تعارضون تقرير المصير للجنوب؟ فأجاب قائلا: لأن تقرير المصير يعني الانفصال. وكان هذا في وقت كان فيه الاختلاف الأساسي بين الحكومة والجنوبيين هو على الحق في تقرير المصير. ومع أن تصريح هذا المسؤول كان على جانب كبير من انعدام الحصافة الدبلوماسية والحاسة السياسية، فإنه كان صادقا، وهذا فضل كبير.
وكان رأي المسؤول الكبير هو نفس رأي الكثيرين من أبناء الشمال. ولكن السؤال هو أنه إذا كان الشماليون يدركون أن تقرير المصير يعني الانفصال، فمعنى ذلك أنهم يدركون أيضا أن الغالبية العظمى من الجنوبيين تريد الانفصال. ومعنى ذلك كذلك هو أن الشماليين يريدون إبقاء الجنوب ضمن السودان الموحد حتى على خلاف رغبة الغالبية العظمى من الجنوبيين، أي بعبارة أخرى أنهم يريدون الوحدة ولو كانت بالحديد والنار – وقد مضت أيام الحديد والنار.
وقد أوضحت الأيام خطل هذا الرأي. فقد جربت الحكومات السودانية، تحت جميع ألوان الطيف السياسي، الحل العسكري لمشكلة الجنوب، ولم تبذل حكومة في هذا الصدد مثل ما بذلت حكومة الإنقاذ. واليوم نجد أن رجالات الإنقاذ، وعلى رأسهم الرئيس البشير، هم أكثر الناس قناعة بحق تقرير المصير للجنوبيين. وكانت كلمة البشير عند التوقيع على اتفاقية السلام حاسمة وحكيمة، حيث قال: “سلام مع انفصال خير من وحدة مع حرب”، وقد صدق. وكانت كلمته في جوبا مؤخرا بنفس المعنى تماما. فإن كانت لحكومة الإنقاذ أفضال سيذكرها لها التاريخ، فسيكون على رأسها إعطاء الجنوبيين حقهم في تقرير المصير.
إن السبب في فشلنا في التعامل مع قضية الجنوب هو أننا كشماليين تعاملنا معها أساسا كمشكلة “تمرد”، أي مشكلة سياسية أو أمنية أو مؤامرة خارجية أو حركة عنصرية، أو حتى مسألة تهميش سياسي واقتصادي، وقلما تعاملنا معها من منظورها الثقافي والاجتماعي، باعتبارها مشكلة “إثنية” في المقام الأول، أي مشكلة شعب له ثقافته الخاصة ويمتلك ما يكفي من المقومات ومن الشعور القومي ليكون شعبا مستقلا.
والعجيب في هذ الإنكار أن تميُّز الجنوبي عن الشمالي لا تكاد تخطئه العين، حتى مع التنوع الذي يثري ساحة الشمال. فالجنوبيون جميعا، بقبائلهم المختلفة، يشعرون بأنهم جنوبيون، أي يشعرون بأنهم ينتمون إلى إثنية مختلفة تضمهم جميعا ويتميزون بها عن جميع القبائل الشمالية، التي يمكن أن يندرج تباينها في إطار “التنوع” العادي. والشمالي أيضا يدرك ذلك، ولكنه ينكر على الجنوبيين أن يكونوا شعبا متميزا، بل يعتبرهم مجرد جزء مختلف من شعب السودان الواحد. وتقع على عاتق القيادات السياسية والصفوة الثقافية في الشمال مسؤولية كبرى في هذا الإنكار، لأنهم ظلوا، بدافع الوطنية نعم، ينظرون إلى قضية الجنوب من وجهة نظر “المركز”، أي نظرة “شمالية” بحتة، ولم يمتلك معظهم البصيرة أو الشجاعة الأدبية أو الواقعية السياسية لمواجهة حقيقة الاختلاف الإثني الجذري بين الشمال والجنوب، وأن الجنوب شعب “كامل الأهلية” لتقرير مصيره بنفسه، وإن كان جزءا من الأمة السودانية الواحدة وما زال وسيظل، حتى بعد الانفصال.
لقد كانت رغبة شعب الجنوب في نوع من الحكم الذاتي ظاهرة ومعلنة منذ الاستقلال، بل كان بعضهم يعلن صراحة عن رغبته في الانفصال. ولكن ذلك كان يعتبر عنصرية أو جهوية أو أو إلى آخره، ما عدا اعتباره طموحا مشروعا إلى حق طبيعي لكل شعب. وكان الأحرى بالصفوة السياسية والثقافية، إن كانت لها بصيرة كافية، أن تتبنى منذ الاستقلال مشروعا لتأهيل وتمكين شعب الجنوب تدريجيا ليحكم نفسه بنفسه – ولو حدث ذلك لما كانت هناك تلك الحرب التي دامت أكثر من نصف قرن، ولما كانت هناك صدمة أو هزة الآن، ولما احتاج الأمر إلى برنامج لجعل الوحدة “جاذبة” لمن لا يريدها أصلا. ولكن إدراك ذلك الآن أسهل كثيرا من إدراكه عند الاستقلال.
بيد أن هناك من تسبق بصيرته عصره. ففي عام 1955، إن لم تخني الذاكرة، كتب البروفسور عبد الله الطيب، طيب الله ثراه، في إحدى الصحف مقالا بعنوان “أفصلوا الجنوب”! وذكر في مقاله نفس هذا الرأي، وإن كان بعبارات أخرى. ولا اعتقد أن أحدا أنصت له، ولم يعد هو لتناول الموضوع. وأذكر، إن لم تخني الذاكرة أيضا، أن الحزب الشيوعي كان أول من طالب في أدبياته بحق تقرير المصير للجنوبيين، في حين بدأ الإسلاميون بقيادة الدكتور الترابي يطالبون بالحكم الاتحادي للجنوب، بينما كانت كل الأحزاب السياسية الأخرى تستنكره.
إن نيل الجنوبيين كشعب حقهم في تقرير مصيرهم في التاسع من يناير 2011 هو يوم عزة وكرامة وفخار لشعب الجنوب، يستحقون التهنئة عليه، وينبغي أن يكون يوم عزة وفخار لنا جميعا كسودانيين، يوم انتصار لحريتنا وكرامتنا جميعا، لأن الحرية لا تنقسم. ولنذكر مقولة عمر رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”، أو لنذكر، على الأقل، أن حق الشعوب في تقرير المصير هو حق أكدته العهود والمواثيق الدولية.
فؤاد العجباني
فيينا – النمسا
13/01/2011

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *