أعداء الحرّية (3) … “فؤاد العجباني”

أعداء الحرّية موجودون في كل أمة وكل قبيلة وكل لون وكل جنس وكل مذهب وكل دين. فليس العداء للحرية قاصرا على فئة دون فئة، ولا طائفة دون طائفة، ولا قوم دون قوم. والمقصود بالحرية هنا حرية الرأي والفكر والاعتقاد والتعبير.
أعداء الحرية هم الذين يريدون أن يسمعهم الناس، ولكن لا يريدون أن يسمعوا آراء الآخرين. إنهم يريدون أن يُعطوا الأوامر ويسمعهم الآخرون. إنهم يخشون من حرية الرأي لأنهم لا يمتلكون القدرة عن الدفاع عن آرائهم، ولو كانوا قادرين على الدفاع عن آرائهم لرحَّبوا بحرية التعبير وتحمَّسوا لها. إنهم مقتنعون بآراء لا يستطيعون الدفاع عنها، إما لقصور في علمهم أو عجز في قدرتهم على البيان، أو لعيوب في آرائهم لا يستطيعون تفنيدها أو إخفاءها، ولكنهم يتمسكون بتلك الآراء لسبب من الأسباب، قد يكون في غالب الأمر طمعا في مصلحة يرجونها من اعتناق تلك الآراء أو خوفا من فقدان مصلحة يمتلكونها حاليا، سواء أكانت مصلحة مادية أو معنوية أو سلطة أو مركزا أو وجاهة أو وظيفة أو غير ذلك. لذلك تجد في كل الأمم أن الذين في السلطة هم في معظم الأحوال من أشد أعداء الحرية، لأن إطلاق حرية الرأي يهدد بقاءهم في السلطة.
لذلك تجد أعداء الحرية يجنحون دائما إلى استعمال العنف ضد مخالفيهم في الرأي، لأنهم عاجزون عن مقارعة الحجة بالحجة والرأي بالرأي، فيريدون أن يعوِّضوا بقوة العضلات أو قوة السلطان عما افتقدوه من قوة المنطق والبيان. كانهم لم يسمعوا قول المولى عز وجل: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.” (يونس: 99 – 100)، وقال تعالى: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم” (هود: 118 – 119) ، وقال تعالى: “أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا” (الرعد: 31)، وقال تعالى: “ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء” (البقرة: 272)، وقال جلَّ مِن قائل:”إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين” (القصص: 56 )، وقال تعالى:”فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب” (الرعد: 40)، وقال جلَّ وعلى:” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر” (الغاشية: 21 – 22)، إلى غير ذلك من الآيات.
وأذا رجعت إلى تجربة مجتمعنا السوداني الصغير في النمسا، تجد أن أكثر وأشد أعداء الحرية، الذين يودون أن يقمعوا حرية الرأي والتعبير في أوساط الجالية بحجة أن حرية الرأي تسبب الخلافات والمشاكل وربما العنف، تجدهم هم أنفسهم نفس الذين يستخدمون العنف في كل مرة ضد مخالفيهم في الرأي!! هل وجدت أحدا غيرهم من بيننا استخدم العنف ضد الآخرين أو هدد باستخدامه؟؟ إنهم يرتكبون جريمة العنف ثم يريدون أن يستفيدوا منها مبرِّرا لقمع حرية الناس وكبت آرائهم. وقد ينجحون في ذلك، ولكن إلى حين، فسنَّة الله في خلقه أن الإنسان السويّ يسعى إلى الحرية ولا يصبر على حرمانه منها إلى الأبد.
ولو أرد الله للناس أن لا يختلفوا لكي لا تحدث بينهم مشاكل أو صراعات أو عنف، لكان خلقهم جميعا مؤمنين ولم يجعل على الأرض من الكافرين أحداً. ولكن حكمته كانت أكبر من ذلك، وعلمه أوسع من ذلك، فالإنسان الذي لا يمتلك حرية الفكر وحرية الإرادة ليس سوى بهيمة يقودها الراعي، وليس من البشر الذين كرَّمهم الله وأسجد لهم الملائكة – وهو إنما كرَّمهم لأنه منحهم حرّية الإرادة دون غيرهم من الخلق، ولا حريَّة للإرادة دون حريَّة فكر، فالعبد ليس بحاجة إلى التفكير، بل عليه فقط أن يسمع ويطيع.
فؤاد العجباني – فيينا
28/8/2012
fouad.elagabani@gmail.com

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *