أعداء الحرّية (4) إلا “بيت السودان”! … “فؤاد العجباني”

ومن الناس من نفض رجليه من تراب الوطن عندما غادره، ربما إلى غير رجعة، ولم يعد يهمه منه إلا ما له فيه مصلحة مباشرة، من أهل أو مال أو عقار، أما شؤون الوطن عموماً ومصير الوطن عموماً فلا شأن له به، لأن ذلك كله “سياسة”، إلا أخبارا في وسائل الإعلام ربما تُقرأ أو تُشاهد.
ومن الناس من قال هذا بلد حر، فمارسوا حريتكم في أي مكان شئتم، ولكن بعيدا عن هاهنا، لأننا لا نريد “سياسة” في هذا المكان. وقد لا يدري أن ما يقوله هو عين “السياسة” التي يريدها أهل السلطة، فهو يطبق لهم سياستهم بحذافيرها حذو النعل بالنعل. فأهل السلطة يملكون من أموال الشعب الإمكانيات اللازمة ليقيموا ما يشاؤون من ندوات ولقاءات وتنويرات وأيام وأسابيع واحتفالات في أرقى الأماكن، للتصفيق والتهليل والتكبير، ويُسعدهم جدا أن لايجد صاحب رأي مخالف ملاذا يطرح فيه رأيه ولو كان ذلك المكان ما يسمى بيتاً للسودان أو بيتاً للسودانيين.
و”السياسة” هي بالطبع الشأن العام، شأن الشعب، هموم الناس، مآسي البؤساء والمستضعفين والمهمشين والمساكين، آلام الفقراء والمعوزين، أحلام الشباب وطموحهم، آراء الكتّاب والشعراء والباحثين، إطعام الجياع ومواساة المرضى، بناء الوطن وصون ترابه وضمان مستقبل الأجيال القادمة، كل ذلك من مسؤولية السياسيين، ولا سيما الحاكمين، ومسؤولية كل إنسان، ورحم الله من قال: “لو ماتت سخلةٌ على شاطئ الفرات ضَيعةً لخِفتُ أن أُسألَ عنها”. كل هذا “سياسة”، ومنسوبو الإنقاذ هم أول من يعرف ذلك، ولكن سياستهم هي أن لا تكون هناك سياسة في أوساط الجالية، بل نشاط اجتماعي ورياضي، وبالكاد نشاط ثقافي في حدود، وكفى، لأن أي نشاط سياسي أو فكري ربما يُدخلهم في أسئلة لا إجابة لديهم عليها، ومواجهات فكرية لا قِبل لهم بها. فقد رضوا من الغنيمة بالإياب وأغلقوا الباب الذي تجيء منه الريح.
ولذلك أصبح هذا البيت الذي (كما قال الأستاذ عبد الله الشريف) كان منبرا دخله وتحدث فيه كل من عبد الرحيم محمد حسين وعوض الجاز والزبير طه والمتعافي وإبراهيم أحمد عمر ومهدي إبراهيم وكرار التهامي وأحمد إبراهيم الطاهر وبونا ملوال وأتيم قرنق ودكتور داو وغيرهم، وأدلى فيه بدلوهم المتحدثون من إبناء الجالية عن هموم الوطن، أصبح الحديث فيه عن شؤون الوطن محظورا الآن، إلا أن يكون قصيدة غزلية أو حفلة موسيقية راقصة أوشيئا من هذا القبيل. فهنيئا لمنتسبي الإنقاذ نجاح سياستهم، إلى حين. ولسان حالهم يقول: “يا أبناء السودان، اذهبوا وابحثوا قضايا وطنكم في أي مكان آخر، إلا بيت السودان”!
فؤاد العجباني
فيينا، 29/4/2012
fouad.elagabani@gmail.com

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *