أعداء الحرّية (5) … “فؤاد العجباني”

لا يكاد أحد يجادل في أن هتلر وموسوليني وستالين كانوا أعداء للحريَّة، ولكن كيف يصبح (بعض) أصحاب أكبر حركة تحريرية في التاريخ، وهي الدعوة الإسلامية، أعداء للحرية؟؟ والجواب بسيط، وهو: مثلهم مثل غيرهم، فسنن الله في الأرض لا تتغير، ولا تجامل أحدا لحساب أحد.
تبدأ الدعوات الكبيرة دائما بفكرة سامية، أو هي سامية في اعتقاد أصحابها على الأقل، يجتمع حولها الناس وتُبذل في سبيلها النفوس، وتربط بينهم برباط قوي من الإخاء والمساواة والتكافل. وتتجسد الفكرة في البداية في حركة، تكاد أن تكون حركة مطلقة لا تعرف الشكليات ولا القيود. وما أن يجتمع حول الحركة جمع غفير حتى يصبح ضروريا تنظيم هذا المجتمع الناشئ المتنوع وضبط حركته، فتصبح الحركة جماعة أو تنظيما أو منظَّمة، وتنشأ لها قيادات وأنظمة وهياكل، فيحدث التمايز وتنشأ فئة صفوية تشكّل ما يشبه الحكومة والمعارضة، ولكنها معا هي الفئة الحاكمة داخل الجماعة، والبقية أعضاء (عاديون) يكاد يقتصر دورهم على السمع والطاعة، أو مناصرة هذا على ذاك، ويقتصر العصف الذهني واتخاذ القرارات الفعلي على الصفوة القليلة، فتُبذر بذور الاستبداد بالرأي.
وكلما اشتد الصدام مع المجتمع الخارجي، أو مع طوائف منه، كلما اشتدت الحاجة إلى السمع والطاعة، وإلى السريَّة التي تجعل الإلمام بالمعلومات اللازمة لتقليب الآراء وصنع القرارات مقصورا على قلة قليلة، هذا إذا لم تكن الجماعة قائمة من الأساس على السريَّة، التي هي أمُّ الاستبداد وأبوه. وتظهر عبارة “هناك معلومات سريَّة لا تعرفونها”، التي تقطع قول كل خطيب. وتنقسم الجماعة إلى قلة مفكرة وكثرة طائعة. فإذا كُتب للحركة أن تتبوأ وضعية قائدة أو مهيمنة أو حاكمة في المجتمع الكبير، أصبحت القلة الحاكمة داخل الجماعة هي الفئة الحاكمة في المجتمع الكبير. وأصبح الرأس من القادة يساوي الألف رأس أو أكثر من الرعيَّة، التي يقبل معظمها ذلك راضيا سعيدا. ويترسَّخ الاستبداد.
وكلما اتجهت الحركة إلى النضج والاكتمال، كلما تكلَّست قيادتها ونظمها وهياكلها، وأصبحت صخرة جامدة قلّما تقبل التغيير والتبديل. وكلما اشتدت هيمنة الحركة على المجتمع الكبير، وكلما كثرت المنافع والمزايا التي يجنيها القليلون أو الكثيرون من أفراد الحركة من حركتهم، كلما كبرت الحركة في أذهان أصحابها، حتى تصبح أشبه بغاية في حد ذاتها. وتظهر النظريات التي تجعل الحفاظ على كيان الحركة غاية تبرر كل الوسائل مهما كانت، وتسقط معظم الاعتبارات الأخلاقية العادية، وتحل محلها أخلاقيات أخرى (سوبر أخلاقيات)، هي أخلاقيات الفئة الحاكمة التي تعتبر الحفاظ على بقائها حفاظا على بقاء الحركة، والحفاظ على بقاء الحركة حفاظا على بقاء المجتمع الكبير بأسره، ويحدث الخلط بين مصلحة القيادة ومصلحة الجماعة ومصلحة المجتمع أو الأمة. وينطبق ذلك على الحركات الكبيرة التي تحكم أمة بكاملها كما تنطبق على الحركات الصغيرة التي تسيطر على مجموعة قليلة من البشر.
فؤاد العجباني
فيينا، 1/5/2012
fouad.elagabani@gmail.com

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *