الكلام المسهوك … تأملات فى الخطاب السياسي الدارج (1) … “د. أمين حسن عمر”

يقول القائلون أن الحرب أولها كلام، كذلك فإن السياسة أولها كلام، لذلك إن كان كلام أهل السياسة أجوفاً لا يمتلىء ماعونه بالمعاني فأعلم أن فعلهم لن يمضي على طريق الصلاح شوطا طويلاً. والعلاقة بين أساليب الخطاب السياسي ومحتواه وبين أساليب طلب السلطة وكيفية إدارتها علاقة وشيجة عميقة. ثم أنه توجد علاقة قوية بين مستوى الخطاب السياسي وبين حالة الرضا وعدم الرضا عن الحالة السياسية . ولا ينحصر الأمر على مستوى الرضا عن الإنجاز للوعد السياسى فحسب. وحالة عدم الرضا البارزة التى تسم الواقع السياسى عربيا ومحليا مرجعها ليس للحصيلة البائسة للمجهود السياسى فحسب، وإنما جزء غير يسيرمنها مرجعه لبؤس الخطاب السياسى أيضا. فالخطاب السياسي الدراج أصبح خطاباً مكروراً مستهلكا، مسهوك الوجهين قليل العائدة فى سوق الإقناع.
ما هو الخطاب السياسى:
الخطاب السياسى عبارة تتشكل من مفردتى الخطاب والسياسة،فالخطاب ليس محض الكلام والمحادثة بل هو كلام تتوضح به مسألة أو طلب أوقضية ما، وذلكم بقصد إقناع المخاطب بها. يقول الزمخشرى الخطاب هو المواجهة بالكلام أو المراجعة به. ويقول أبن منظور هو مفاعلة من المخاطبة ووالمشاورة والمشاورة تعنى المراجعة بالرأى. والخطاب بهذا المعنى لا يستغنى عنه صاحب قضية قط ، فهو وسيلة لتحقيق مبتغاه أياً ما كان أو يكون ذلك المبتغى. يقول أبو هلال العسكرى(كانت الخطب تستخدم فى إصلاح ذات البين، ولحلفاء الحرب وحمالة الدماء والتشييد للملك، والتأكيد للعهد، وفى عقد الإمتلاك ، والدعاء إلى الله ، وفى الإشادة بالمناقب وكل ما أريد ذكره ونشره وشهرته بين الناس) . فهذا شأن سالف أمر العرب مع الخطب والخطابة . وأما السياسة فهى من تولى الأمر والتدبير، والعرب تقول ساس القوم أى تولى أمرهم لتدبير على الوجه الذى يزعم أنه يصلح ولا يفسد. والقواميس العربية تقول عن السياسة أنها الرئاسة وأنها القيام على الأمر بما يصلحه . وموضوع السياسة عند فقهاء الأحكام السلطانية وحكماءالسياسة الشرعية هو الرعاية والتدبير، ومقصدها تحقيق الإصلاح. ونحن نقرأ فى الكتاب العزيز (وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب) فالحكمة هى حسن التفكير وحسن التدبير بوضع الأمور مواضعها التى تناسبها. وأما فصل الخطاب فهو التعبير عن هذه الحكمة بعبارة نافذة فاصلة تقطع كل ريبة وشك ، وتدحض كل شبهة وحجة زائفة. وتأمل العلاقة بين تثبيت الملك وتقوية أوصره وبين الحكمة والتوفيق فى الخطاب. وكيف يقع تثبيت السلطان؟ هل بتقوية الحراسات وتكثير الجلاوزة من الجنود كما ذهب إليه بعض المفسرون أوكما يعتقد كثير من حكام زماننا الذى أبتلينا بهم؟ أم ان تشييد الملك وتقويته يكون بتقوية مقبوليته لدى الناس وإحساسهم العميق بمشروعيته القائمة على حسن القول وحسن التدبير؟ فالعلاقة بين الخطاب وقوة مقبولية وشرعية الحكم القائم لا يخطئها إلا غافل أومتغافل .فهدف الخطاب السياسى هو إقناع المخاطبين ببناء صورة مؤاتية وملائمة للمخاطب إياهم، ولقضيته التى يسعى إلى ترويجها والإقناع بها، وليجد أنصاراً على إنفاذها وإعمالها على واقع الحال. يقول فليب بورتون(الخطاب نشاط انسانى يتخذ أساليب تواصلية عديدة ووسائل متنوعة ويهدف إلى قناع شخص أو جماعة ما بتفهم مسألة ما أو المشاركة فى رأى)فمقصود الخطاب هو إقناع المخاطبين وتوجيههم وحفزهم للتصرف على نحو ما يعزز نهج الحكام، ويدعم المقبولية والمشاركة لإنفاذ سياسيته، أوبخلاف ذلك إن كان الخطاب يراد به معارضة ومناوئة الوضع القائم ، وإفشال سياسته وتقوية المجانبة لنهجه ومبادئه. لذلك يلزم أن نفهم أن الخطاب السياسى رغم أن مقصوده هو الإقناع وأنه جدلى وحجاجى فى طبيعته إلا أنه لايقصد إلى الحوار والجدل . بل هو يريد إنصياعاً فكرياً وسلوكياً من المخاطبين، ويتوسل لتحقيق ذلكم الإنصياع الفكرى والسلوكى بأساليب ووسائل متعدده، ربما منها إستمالات عقلية إقناعية وإستمالات عاطفية وإستمالات تعبوية مثل إستخدام المويسقى الحماسية أو الصور والألوان. وهدفه هو تحقيق الموالاة للسلطة أو المناؤاة لها، فهو خطاب سلطة فى المقام الأول من حيث الواقع المشهود، وإن كان المرام المطلوب أن يكون خطاب حكمة لا خطاب سلطة. وأدوات الخطاب السياسى توسعت توسعا هائلاً مع توسع وسائط التواصل ووسائل الإعلام ففى الماضى كان الخطاب المباشر نثراً أوشعراً أو إنشاداً هو الأداة الرئيسة . بيد أن ثورة الإتصالات والإعلام غيرت ذلك تغييراً كبيراً مما أتاح وسائل ناجعة بأيدى أهل السياسة، ولكن الناس قد علموا من عهد إرم أن السيف لا يقطع، وأنما تقطع اليد حاملته وموجهته للأعناق . والإعلام اليوم بأيدى الحذاق اصبح سلاحاً مرعباً، فهو ﺑﺘﻘﻨﻴﺎﺗه الحديثة ووﺳﺎﺋﻠﻪ اﻟناجعة وﺑﻼﻏﺘﻪ بلغة الكلام ولغة الصورة وبتقنيات الصورة المتحركة قد أصبح المساهم الأكبر فى ﺗﺸﻜﻴﻞ صورة الحقائق والوقائع فى أذهان المخاطبين . بل أن أهل علم الإجتماع باتوا يتحدثون عن ﺻﻨﺎﻋﺔ اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم فى مصانع الإعلام. فهو بات يصنع كما تصنع لعب الأطفال . وأصبح قوة هائلة تؤثر تأثيراً بالغاً فى تراتبية اﻟﻘﻴﻢ وإتجاﻫﺎت اﻟﺴﻠﻮك . ولئن كان الأعلام قد أضحى صنعة، فقد صار هو الآخر صانعاً ، ﻳﺼﻨﻊ اﻟﺸﺨﺼﻴﺎت ويحدد أدوارﻫا ويرسم صورة اﻟﻠﻌﺒﺔ السياسية وﻗﻮاﻧﻴﻨﻬﺎ ، بل يحدد فى الأمراﻟﻐﺎﻟﺐ، ﻨﺘﺎﺋﺠﻬﺎ . ومن صدق شنشنة أهل الأعلام عن موضوعيتهم وحياديتهم فقد أراد أن ينخدع لمن أراد خداعه .الأعلام المعاصر كله أصبح خطاباً له مرئياته وﻣﻮﺟﻬﺎﺗﻪ اﻹﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ. بيد أنه خطاب فى أيدى الحذاق ونحن لانتهم أهل السياسة فى بلادنا وفى الإقليم بهذه التهمة فهم منها براء.
واقع الخطاب السياسى العربى:
وقد وضعنا العنوان الجانبى ونسبناه للعربى وكان بالإمكان أن نقول السودانى أو العراقى أو اللبنانى أو المصرى مع حفظ المقامات فى الدرجات والدركات. فآفات الخطاب السياسى العربى واحدة مع تنوع طفيف. وكله خطاب أيدولوجيا وخطاب سلطة قائمة أو متشوفة، وليس خطاب حكمة ولا حسن تدبير. ونحن فى هذه المداخلات ننوى أن نفحص بعدسة مقربة حال الخطاب السياسى العربى وأوضاعه وتأثيراته السلبية على واقع الحال مع إلتفاتة خاصة لواقع الخطاب السياسى فى السودان . ودراسة الخطاب السياسى يعنى دراسة السياسة.ما يعنى أننا نحتاج إلى تعريف مصطلح السياسة الذى أصبح مضطرب المعنى قائم الصورة فى الأذهان .
ومصطلح سياسة بمعناه الدارج اليوم في حياتنا المعاصرة يختزن المفهوم الغربي لهذه المفردة. وذلك المفهوم يجعل دلالتها الأظهر هي ما يتصل بالقوة والسلطة والدولة. إلا أن التمحيص الدقيق لهذه المفردة في السياق الحضاري الاسلامي يبرز من المعني الدلالات التي تتصل بالتربية والتدبير والرعاية وتحصيل المصالح ودرء المفاسد. يقول ابن منظور:- السياسة القيام علي الشئ بما يصلحه والأصل السوس الطبع والخلق والسجية . وفي قاموس مختار الصحاح السياسة هي الإيآلة يقال آل الأمير رعيته من باب قال أي ساسها واحسن رعايتها . وفي ذلك اشارة لطيفة الي ان الوالي ينظر في ما توؤل اليه قراراته وتصرفاته واوامره . فكأن السياسة في الاصل نظر في المآلات وهذا معني صحيح. وكلمة سياسة الي جانب النظر في المآلات تحمل معني التوسل بكافة الوسائل لتحقيق المقاصد .
ومصطلح سياسة الوارد في كتب التراث الاسلامي لا يخرج عن هذا المعني الي المعني المعاصر الرائج الذي يركز علي امتلاك واستخدام السلطة والقوة. فالمصطلح يرد في كتب التراث جميعاً في سياق تدبير المرء لامر نفسه وتدبير المرء لامر اهله وتدبير الامام لامر الأمة. وقد استخدم الفلاسفه مفردة السياسة لتأدية ذات المعني. فعند الفارابي فى كتاب السياسة المدنية فإن رئيس المدينة الفاضلة هو إنسان كامل صار عقلاًمحضاً وتجرد عن شوؤن المادة وهموم الحياة اليومية، وهو المدبر لشان الامة في المدينة . يقول الفارابي “ذلك لانه مستغرق في الله يستضئ بنوره ويقبس من لدنه العلم الالهي الذي هو مصدر التشريع والتدبير للمدينة الفاضلة. اما الفيلسوف ابن سينا فيقول في رسالة (السياسة) وهو يتحدث عن حاجة الناس للسياسة : أن المجتمع البشري لا يصلحه إلا قيام الحكم والتدبير . والسياسة عنده اصلاح وتدبير يقول : ان كلا العقل والشرع اساس الصلاح فالعقل يكشف العيوب . وكشف العيوب ضروري لاصلاح النفس واصلاح الآخرين. وابن خلدون في المقدمة يكتب عن حفظ الدين وسياسة الدنيا به وكل ذلك مهمة الخليفة الحاكم . وكلمة سياسة عند أبن خلدون هي رعاية الخليفة لمصالح الناس في العمران البشري الذي هو مقصد جميع الناس . والغزالي يمضى على ذات النهج . فالسياسة هي تربية النفس على اخلاق الايمان وحملها علي أصول العدل والانصاف . ويحدد فى غاية الوضوح مهمة السياسة الشرعية في اصلاح نفس الراعي وإصلاح شان الرعية. فالسياسة اذاً في مفهومها الحضاري الاسلامي ليس حيلاً للوصول الي السلطة او استخدامها فى وسوسات و خطرات القلوب او تشهيات النفوس وميولها ، بل هي تدبير الانفس والجماعات والمجتمعات بما يصلحها . لتربيتها علي اخلاق الايمان ودرء المفاسد والمعايب عنها . وجلب المنافع والمصالح إليها والاجتهاد فيما يصلح دنيا الناس وتصلح به آخرتهم في عاقبة أمرهم
وأما الخطاب السياسى فهو فحوى ما تقوله السياسة وتزعم أنها تسعى لإنجازه. وربما يتعسر دراسة السياسة دراسة واقعية ما لم نفهم ممارسيها ما يعنى أنه يتوجب دراسة أهل السياسة للمزيد من فهم السياسة يقول هارولد لاسويل (دراسة السياسة هى دراسة أولى التأثير وتأثيرهم) ويخلص للقول أنهم هم من يأخذون حصة الأسد من كل ما يمكن أن يتقاسمه المجتمع). وإنما مدار السياسة هو العدل . وأقرأ إن شئت (يا داؤد إنا جعلناك خليفة فى الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى). فالحكم بالحق هو الحكم بالعدل بإعطاء كل ذى حقٍ حقه ومستحقة .ما يعنى أنه هو القسمة بالإنصاف وبالسوية. وإتباع الهوى هو إيثار النفس ومن تحب فى هذه القسمة ، فهى قسمة ضيزى يستأثر فيها القاسمون بالنصيب الأوفى، ثم لا يقسمون ما تبقى بمعيار الحق المستحق . ونحن عندما نقرر أن دراسة الخطاب يتطلب دراسة السياسة ودراسة السياسة تتطلب دراسة الفاعلين السياسيين، فنحن نعنى بذلك إتساق الخطاب فى حد ذاته ثم إتساقه مع الممارسة ومع إتجاهات الممارسيين من أهل السياسة. وما ننوى فعله هو من شاكلة ما يسميه ميشيل فوكو بالتحليل التاريخى للممارسات الخطابية. والجزء الأول يقوم بفحص بتحديد الساحة السياسية والفاعلين فيها ووصف أحوالها من تجانس أوإضطراب، ثم تحليل الخطاب الرائج والدارج فى هذه الساحة ، وما فيه من تعارضات وتناقضات ذاتية وموضوعية، والنظر إليه من زاوية الفروق والموافقات، ونسبة كل الذى يجرى إلى البيئة المتشكلة فى وقت ومحل معلوم. ثم نفحص العلاقة بين الخطاب والممارسة وجملة علائقها بالسياق الإجتماعى والثقافة الرائجة. ونحن ههنا نقوم بأمر ليس متردد الحدوث فى البيئة السياسية والفكرية العربية المعاصرة التى تقنع بالإنطباع عن الفحص والتفكيك والتحليل.وأما فى الساحة العربية فإن التفرقة بين الخطبة والخطاب اى بين مايسمى عند الغربين (إسبيش) وبين ما يسمى عند الإفرنجة ( دسكورس) فلا تكاد تعرف. ولذلك فإن كلمة خطاب تحمل سمات الخطبة بتاريخها فى التاريخ العربى المديد التليد. وهى كلام تغلب عليه البلاغة والإستمالات العاطفية والإستعارات الجمالية وإما إتساق معانيه وإستقامة منطقه فيأتى فى الرتبة الثانية فى غالب الأحوال هذا إن أتى على كل حال .
نواصل بإذن الله
د. أمين حسن عمر

مقالات د. امين حسن عمر>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *