المخابرات المصرية … الآن حصحص الحق “1” … “اللواء الركن (م) يونس محمود”

مهما طال أمد المراوغة والإنكار (المصري) في التربص والكيد للسودان، لابد لمركب الأحداث أن (تدق القيف) أي تصل إلى اليابس وتفقد خاصية الاستمرار في الإبحار، وكثيراً ما تحدث الناس عن وجود مصري مشبوه، من خلال ممارسة أنواع محددة من النشاط التجاري، الذي لا يتجاوز أن يكون مجرد ساتر وغطاء حيث ظهرت (تجارة العدة) التي يمارسها (شباب مصريون) في عمر الخدمة العسكرية. وينتشرون في المناطق الحدودية مع الجارة إثيوبيا (كسلا، القضارف، سنجة، الدمازين)، وكذلك مناطق دارفور في المدن والقرى، والملفت أن (صنف العدة واحد) وأسعارها متدنية، والبيع بالأقساط طويلة الأجل، إذ يستغرق أداء قيمة (حَلَّة) سنتين بالتمام والكمال.
وفيم العجلة؟ إذ الغرض الأساس هو بقاء عنصر المخابرات المصرية موجود، ويملك حق التجول، والدخول إلى البيوت، والاختلاط بالناس، مما يمكنه من استخلاص ما يريد من معلومات، باعتبار أن المخابرات المصرية استنسخت (رأفت الهجان) واستزرعته في السودان بهذه الطريقة المكشوفة، لاعتبارات أن (السودان طيب وابن حلال وحسن الظن).
وحتى المشروعات الزراعية التي تم تخصيصها للمصريين، لم تستثمر لإنتاج ما خصصت له, بل بقيت على حالها، تحت إدارات متكتمة شديدة الحرص، ومبان يمنع مجرد الاقتراب منها، كانما يُخشى افتضاح ما فيها..
نعم.. هذا الانتشار الاستخباراتي المصري له ما بعده، إذ تطمع مصر أن تدس يدها لإحداث تغيير للسلطة إذا تيسر ذلك، بالتعاون مع أي عميل متوفر على الخط، وسبق للمخابرات المصرية أن تدخلت في محاولة لقلب نظام الجنرال إبراهيم عبود، وساندت انقلاب مايو, وراقبت عن كثب الانقلاب ومجيء الإنقاذ، وظنت أن القادمين (أولادها) مثلما قال حسني مبارك بادئ الأمر (دول أولادنا) نكاية في الصادق المهدي، الذي يمثل تاريخ حزب الأمة في العلاقة مع مصر.
الجديد في العلاقات السودانية المصرية بعد سد النهضة، أن مصر تحاول أن تداري خيبتها بالسودان، وتحمله كامل المسؤولية، كيف أنه لم يقف لجانبها ضد إثيوبيا!! وكيف أنه لم يبد استعداده حتى لخوض حرب!! وفتح أراضيه للجيش المصري أن ينفذ أعماله من داخل الأراضي السودانية!! وكيف أنه لم يكرر وقائع التاريخ، ويقبل بإغراق أرضه، وتهجير مواطنيه، مثلما فعل عام 1959م!! في أغرب (حالات الغفلة) التي يمكن أن تعتري حكومة تمثل إرادة شعبها ومصالحه، وبقي ذلك الخطأ التاريخي الفادح إلى أبد الدهر، يؤكد مقدار الأنانية، والاستهبال، الذي مارسته مصر على حكام السودان..
غير أنها وجدت الأمر مختلفاً تماماً، إذ جاء جيل يخدم المصالح السودانية العليا، بغير ما تهوى مصر في علاقتها مع السودان.
فضلاً عن احتدام الصراع في منطقة حلايب، والتصعيد في التصريحات والإعلام، وموقف السودان من الصادرات المصرية (الملوثة والمغشوشة) التي عافها العالم كله، لكل هذا وزيادة خطت مصر هذه الخطوة العملية، في توظيف بقية الحركات العنصرية المرتزقة، لتنفيذ عملية هجوم واسع، ومن مواجهتين متباعدتين، وبتجهيزات كبيرة، عربات مصفحة، وعربات قتالية مجهزة، وأسلحة ثقيلة ومتنوعة، وأطنان من الذخائر، والمؤن القتالية، والوقود، وقطع الغيار، والألبسة، والأدوية، والإسعافات، والمياه، والاتصالات، وتشهيل جيش بحاله، لا طاقة ولا قبل لهذه الحركات به.
ولأهمية هذه العملية النوعية للمخابرات المصرية، زار (الفريق محمود حجازي رئيس أركان الجيش المصري) زار العميل حفتر في مدينة بني غازي الليبية يوم 17/5/2017م، أي قبل 72 ساعة من توقيت الهجوم، للتأكد من تمام الجاهزية، ووضع آخر اللمسات عليها، وكذلك سافر وفد عسكري إلى دولة جنوب السودان في ذات التوقيت.
ثم أرخت مصر (المخابرات المصرية) آذانها، وتحفزت لسماع (النبأ العظيم)، دخول الحركات، واجتياحها الأراضي السودانية، واستيلائها على المدن (عديلة، الضعين، نيالا, الفاشر، الجنينة) وإعلان دارفور منطقة محررة، ومن ثم الزحف نحو الخرطوم لإسقاط النظام، واستلام الحكم، وعندها سيدعم الموقف بإجراءات دبلماسية، بحكم وجود مصر في عضوية مجلس الأمن المؤقتة، وسيتغير موقف بعض الدول الإقليمية تبعاً (للتسهيلات والدفع العاجل)، وستدخل فرق سلفاكير التابعة لقطاع الشمال، وعندها ستتحرك الخلايا النائمة, وتخرج الأسلحة من المخابئ لإحداث الاضطراب الكبير في العاصمة، وهكذا يتداعى الحكم والسودان، لتعاد صياغته بالقوالب المصرية..
هذا الخيال الروائي الخصيب، الذي أفلحت فيه مصر من خلال روايات (نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وغيرهم من رواد القصة) أصاب المخابرات بالعدوى، لتبني كل هذه التصورات (والسيناريوهات) بعيداً عن شمس السودان الحارقة، وأرضه العصية، وإنسانه العنيد، وجيشه المغوار، ورجاله الصناديد، كيف فات على المخابرات بأن هذه الحركات قاتلت منذ العام 2003م، ووجدت من الدعم ما يؤهلها لحكم أفريقيا كلها، لكنها خسرت كل ذلك لصالح القوات المسلحة السودانية، وقوات إسنادها الدعم السريع، والدفاع الشعبي، والشرطة، والأمن والمخابرات، ومقاتلين متطوعين دون هؤلاء جميعاً، مستعدون للذود عن الوطن، ولا يرجون جزاءً ولا شكوراً من أحد، ولذلك كان مآل الحملة المدعومة مصرياً مآلاً مخزياً، وهذا ما سنعرض له في المقال القادم بإذن الله يوم الأحد.
اللواء الركن (م) يونس محمود

مقالات اللواء يونس محمود>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *