حدث في مطار الخرطوم (3) … أحمد منصور

فكان الجو مشحونا بالغضب من الناس بشكل عام، لكن الجميع كان صامتا عدا سيدة كانت تقف مباشرة في الصف الذي بجواري رفعت صوتها على موظفة الجوازات وتلاسنتا، هنا ظهر ضابط برتبة عقيد وجاء ليهدئ الوضع بين السيدة الغاضبة وموظفة الجوازات.
بالنسبة لي ضباط الشرطة في الغرب والدول التي تحترم حقوق الإنسان وآدميتهم هم الملجأ دائما حينما تواجه الإنسان أي مشكلة فدورهم هو خدمة الناس وحمايتهم وحينما تجد رجل الشرطة في الغرب تشعر بالأمن، أما في بلادنا أو في الدول المتخلفة بشكل عام فأنا أتجنب رجال الشرطة تماما لأنهم ـ إلا من رحم ربك ـ على العكس من ذلك حينما تراهم تشعر بالخوف والقلق فهم يتعاملون مع الشعب باستعلاء وعلى أنه خادم عندهم وليسوا هم الخدم عنده، لكني اعتقدت أن هذا العقيد مختلف حينما لاحظت أنه يهدئ التلاسن بين المسافرة وموظفة الجوازات، وكان هناك عدد من مقاعد موظفي الجوازات فارغة والزحام شديد فشجعني ذلك أن أقول له: «بالله عليك يا أخي لماذا لا تطلب من بعض موظفي الجوازات أن يجلسوا على هذه الشبابيك الخالية من الموظفين ليسهلوا على الناس بدلا من هذا الزحام وهذه الإهانة غير المبررة».
لم أكد أنهي كلماتي حتى عاد الرجل إلى طبيعته التي عليها كل ضابط شرطة وربما ضابط جيش في هذه البلاد، وإذا به يرفع صوته عليّ بحدة وكأني تعديت على قدس الأقداس، «شنو.. بتقول شنو؟ وماذا يعني؟» وكلمات أخرى كلها غضب على طلبي، قلت له «الناس تتعرض للإهانة خارج المطار وقد قضينا ساعة من مدخل المطار حتى هنا والإهانة غير مقبولة» إذا به يقول لي «وما هي المشكلة في إهانتهم؟» قلت له: كيف تقبل الإهانة للناس وهم أهلك؟ قال «ما هي المشكلة؟» شعرت حينها أني في حوار طرشان وان الجهالة سيدة الموقف وليس العقل وطالما أن الرجل لا يرى مشكلة في إهانة الناس فلا مجال للحديث معه فآثرت الصمت لاسيما وأني لاحظت أن الناس الذين كنت أدافع عن حقهم وكرامتهم بقوا صامتين لأن منطق الخوف هو الذي يسيطر هنا على الناس وليس منطق المطالبة بالحق وأيقنت أن هذا العقيد مثل غيره يعتقد أن هذه النجوم التي على كتفيه قد أنزلت من نجوم السماء ووضعت على كتفيه وكذلك النسر نزل من أعالي الجبال حتى يسكن ويستقر على كتفه المهيب، من ثم فله الحق في إذلال الناس أو عدم استغراب أو استنكار إذلالهم حتى وإن كانوا أهله، هذا المشهد كان في حضور كل من يقفون في صفوف الجوازات من سودانيين وعرب وأجانب، فإذا كان أهل السودان مضطرين أن يتعاملوا مع هذا الواقع لأنها بلادهم فما الذي يجبر المستثمر العربي أو الأجنبي أو الزائر للسودان على أن يتقبل هذا؟
بقي هناك سؤالان أوجههما للرئيس البشير باعتباره يحكم السودان منذ ربع قرن وهما أليس في السودان 500 سوداني من ضباط شرطة وموظفين مدنيين يحبون بلادهم يتم تدريبهم على أعلى المستويات لخدمة المسافرين فيتركون انطباعا جيدا لدى أهلها أولا ولدى كل من يزورها؟
السؤال الثاني: إذا كانت مليارات النفط قد تبخرت ولم يتم بناء مطار منها يليق بالسودان وأهلها لماذا لا يتم جلب شركة دولية تبني مطارا جديدا بنظام حق الانتفاع بدلا من هذه المعاناة التي يعيشها اهل السودان وكل من يزورها في الوصول والسفر؟

مقالات أحمد منصور>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *