“قصة وقصيدة” … “أم الأمراء”

أطلت السيدة أم الأمراء (اعتماد) من قصرها الإشبيلي فرأت – عن بعد – نسوةً بدوياتٍ يخضن في الوحل والطين، فأعجبها منظرهنُّ، وأرادت تجريبه، فاستأذنت زوجها ملك إشبيلية الشاعر العاشق المعتمد بن عباد في أن تخرج إلى ظاهر إشبيلية لتتمتع بالخوض في الطين مع بناتها…!!! فمنعته رسوم السلطنة وهيبتها من أن يأذن لها في ذلك، غير أنه تعود أن لا يرفض لها طلبا، فمن فرط شغفه بها أصدر مرسوما إلى كل عطار بإشبيلية بأن يسوق كل ما لديه من عطر ومسك وأعواد طيب إلى قصرالملك بثمن يسيل له اللعاب، وقام الخدم بعجن المسك والعود بالعطور في باحة القصر الواسعة، فكانت أشبه بالطين والوحل إلا أن ماءه عطرذو رائحة نفاذة …
ثم نزلت (اعتماد) مع بناتها يخضنَ في الطين المُعطر جيئة وذهابا، وكان يوما مشهودا …
تسرب خبره من القصر إلى بيوتات الخاصة فالعامة بإشبيلية والأندلس .. وعلم الناس أي مكانة لاعتماد في قلب المعتمد …
قال الراوي:
ولم يكن هذا السرف ليذهب دون عقوبة إلهية، فقد جاء ابن تاشفين والمرابطون وخلصوا الأندلس من تهديد النصارى القشتاليين ومن (ملوك الطوائف)، ثم أخذوا (المعتمد) و(اعتماد) وبناتهما إلى الإقامة الجبرية في (أغمات) بالمغرب في ذل وهوان حتى قيل:
(أخبار ابن عباد تذيب الأكباد).. ولم تستسغ اعتماد حياة الفاقة، ورأت (الطين الحقيقي)… وحصل أن تجادلت مع الملك الأسير (المعتمد) يوما وتشاحنا حتى قالت له:
منذ عرفتك ما رأيت منك خيرا قط !!!!
فقال لها بدهشة وألم : ولا يوم الطين ؟!!
فخجلت … وسكتت عن الكلام
وعندما رأى حال بناته قال هذه القصيدة :
فيما مضى كنت بالأعياد مســرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطـمار جـائـعـــــة
يغزلـن للناس لا يمـلـكـن قـطميـرا
برزن نحوك للتـسليـــم خاشعـــــة
أبصارهــن حـسيـــرات مـكاسيـــرا
يطأن في الطين والأقدام حافيــــة
كأنهـا لم تطـأ مســكـا وكـافــــورا
لا خد إلاويشكو الجدب ظـاهـــــره
وليس إلا مع الأنفـاس مـمـطـــورا
أفطرت في العيد لا عادت إساءته
فعــاد فطــرك للأكباد تفطيــــــــرا
قد كان دهرك إن تأمره مـمـتـثــلا
فـردك الدهـــر منـــهيا ومــأمـــورا
من بات بعدك في ملـك يسر بــه
فإنما بات في الأحـــلام مغــــرورا
وبعد حياة صاخبة ماتت اعتماد .. ومات المعتمد .. ومن عجائب الدهر أنه نودي على جنازته عندما مات:
(الصلاة على الغريب) … فسبحان من لا يزول ملكه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *