الأحزاب و الإنقلاب وما بعد … “عوض حسين”

مقال تأريخي كتبه الصحفي عوض حسين بعد يوم من إنقلاب 30 يونيو 1989 في السودان ويعتبر هذا المقال أول تحليل سياسي قبل إتضاح اي شيء حتى للمخابرات الأمريكية او الإقليمية!
2 يوليو 1989
صحيفة الخليج الإماراتية
الموكب إلى سجن كوبر شمال شرق ضاحية بحري، احد ثلاثة أضلاع العاصمة السودانية، لم يكن الأول من نوعه و بالتأكيد لن يكون الأخير، الموكب الفريد و المتحرك بسرعة كبيرة يضم رئيس الوزراء وأعضاء مجلس رأس الدولة ووزراء ووزراء دولة وأعضاء برلمان، لم يكونوا في زيارة للضاحية او للسجن، بل هم برسم الإقامة لمدة غير محدودة.
للمرة الثالثة تسقط الحزبية الليبرالية و يذهب (ليبراليو ويستمنستر) إلى سجن كوبر، وبعض الذاهبين في الموكب يضحكون سراً من الآخرين، فقد تعودت الأحزاب السودانية على تسليم العسكر السلطة و إستلامها من الشعب لإعادتها للعسكر مرة أخرى.
١٧ نوفمبر 1958 ليلة عودة البرلمان إلى إجتماعاته. سلَّم عبدالله خليل- رئيس الوزراء و أحد دهاقنة حزب الأمة-السلطة للفريق عبود و جنرالاته السبعة او الأقزام السبعة، كما تصورهم عبدالله خليل عند تسليمه السلطة لهم و الذين صاروا ليوثاً سبعة و قضوا على جميع الأحزاب و النقابات و انتهكوا حرمة الصحف الحزبية… الامة… الأشقاء… الميدان… و فرضوا قيوداً على بقية الصحف حولتها إلى جرائد للتطبيل و التزيين وعندما وقف حزب الأمة مع غيره من الأحزاب السودانية ضد طفله العسكري كان الطفل قد كبر و استدعى استئصاله ٦ سنوات من عمر الحرية، حتى جاءت ثورة أكتوبر 1964.
و المتأمل في مسألة العلاقة بين الجيش و الأحزاب و بين الأحزاب و الشعب و بين الشعب من جهة ثالثة مع الجيش. لابد أن يتملكه العجب لهذه الدورة في الحياة السياسية السودانية.
و بعد سقوط العسكر في أكتوبر 1964 عادت الأحزاب لمهاتراتها و عدم إحترامها للديمقراطية التي هي أساس حياتها و كعادتها انفصلت قيادات الأحزاب عن معاناة الجماهير اليومية، و تنكرت لكل مبادئ الديمقراطية و إحترام حرية التعبير. فكان أن رفض ممثلو الأحزاب في البرلمان حكم المحكمة الدستورية بعودة نواب الحزب الشيوعي السوداني إلى البرلمان بعد طردهم فكان التسليم و التسلُّم هذه المرة بسرايا و بإسم ثورة مايو 1969.
و كعادة الجيش انقلب الجنرال نميري على صانعيه و أعدم قادتهم و هذه المرة لم تغب الديمقراطية ٦ أعوام كأيام الجنرال عبود، بل دفع الشعب ١٦ عاماً من حريته لحساب الجنرال نميري، حتى انتفض الشعب في إبريل 1985، وعاد ليسلم مصيره إلى الأحزاب التقليدية التي قد يكون لها أصبع في ما حدث في الخرطوم أخيراً.
و المتأمل بعينٍ فاحصة و متجردة في دوافع الإنقلاب و إحتمالات مستقبله لابد أن تستوقفه الملاحظات التالية :
الأولى أن يكون الإنقلاب عملاً عسكرياً صرفاً و هذا الإحتمال غير مستبعد للأسباب التالية:
إتفاق كل الضباط من رتبة العقيد فما فوق و حتى القائد العام على القيام بعمل جماعي في حالة عدم اخذ الحكومة البنود الواردة في مذكرة القوات المسلحة بتاريخ ٢٠ فبراير 1989 بالجدية اللازمة، و قائد الإنقلاب أحد الموقعين على المذكرة الشهيرة وهو عسكري منضبط للغاية و مشهور بإنضباطه و توقيت الإنقلاب ينفي عنه صفة عدم الإنتماء الحزبي لأنه قد تم قبل ٤ أيام فقط من تاريخ إجتماع الحكومة بممثلي الحركة الشعبية من ما يضعف مساعي السلام و قد يمهد لحرب طويلة بين الحكومة و الحركة.
التوقيت يقود للسؤال عن المستفيد من التوقيت” محاولة الإجابة لهذا السؤال تشير إلى حزبين فقط، الجبهة الإسلامية و حزب الأمة و الإحتمال الثاني الجبهة الإسلامية، الشارع السوداني الذي وقف وراء بعض شعاراتها عندما كانت في المعارضة و باعتها مبكراً مقابل مقاعد في الحكومة و حتى تطبيق الشريعة الإسلامية الذي نادت به كاد أن يذهب به إتفاق الميرغني – قرنق إلى إضبارات التاريخ. و عزم الحكومة على إلغاء تشريعات سبتمبر 1983 حتى تضمن تطبيق شروط الإتفاقية مع قرنق ربما عجَّل بالجبهة للإنقلاب على الديمقراطية التي لاتؤمن بها اصلاً.
حزب الأمة هو الآخر له أسبابه التي قد تدفع جناح منه إلى تسليم السلطة لأول قائد عربة مجنزرة بها من وقود ما يكفي لإنتقالها من الشجرة ١٣ كيلومتر جنوبي الخرطوم إلى امدرمان مقر الإذاعة السودانية. أسباب حزب الأمة عديدة يمكن أن نلخصها في ضعف الحزب و خلافاته الداخلية و خشيته من إستئثار الإتحادي الديمقراطي بكل المجد الناتج عن توقيع إتفاقية السلام مع الحركة الشعبية الأمر الذي يترجم أصواتاً في الإنتخابات التي لم يعد يفصلنا عنها إلا شهوراً قليلة تتجاوز نصف العام. و تدفع بحزب الأمة إلى المركز الثاني او الثالث في الترتيب القيادي للأحزاب السودانية، الجناح المتشدد داخل حزب الأمة و الأقرب بحكم تكوينه الأيديولوجي و الاقتصادي للجبهة الإسلامية و الذي يقوده مبارك المهدي و وزير الداخلية السابق. من الممكن أن يجرد عهدته و يسلمها لأول كتف لامع يدعي الولاء للمهدويين إلا أنه تبقى حقيقة يمكن تلخيصها في قول رجل حزب الأمة القوي الجنرال عبدالرحمن فرح، على مدى التاريخ السوداني المعاصر كان حزب الأمة الخاسر الأعظم في كل المحاولات الإنقلابية الفاشلة منها و الناجحة فهل يخسر الحزب أيضاً هذه المحاولة؟.
اما عن الحزب الإتحادي الديمقراطي وهو الحزب الأكثر إستفادة من الجو الديمقراطي وليست فيه اي نزعة لتكوين عسكري او شبه عسكري و حتى جنوده الذين شاركوا في الجبهة الوطنية للأحزاب السودانية للمعارضة ايام نميري. كانوا اول من عادوا و سلموا أسلحتهم للسلطة بعد الانتفاضة.
اما أحزاب اليسار السوداني فهي تنهج نحو الفكر و تجادل الشارع السوداني كي تكسب مؤيدين جدد فلا مجال للزج بهم في اي محاولة إنقلابية.
جيران السودان من الممكن أن تشير إليهم الأصابع إلا أن الأدلة، أدلة النفي تنمو داخل لائحة الاتهام نفسها. فمصر الجار القوي هي مع كل شخص يجلس في كرسي الرئاسة بإستثناء الصادق المهدي الذي وصلت الخلافات في عهده إلى درجة إلغاء أكثر من زيارة له للقاهرة، ووصلت إلى درجة الاتهامات المتبادلة على صفحات الجرائد اليومية و أجهزة الإعلام الأخرى، إلا أن الناظر جيداً لتوجهات مصر و حليفها الطبيعي في السودان. يدرك أنهما الخاسران الرئيسيان في عملية وأد الديمقراطية في السودان و لكن الجيش السوداني إذا كانت هذه الحركة حركته الخالصة. فإن إتجاهه سيكون عربياً لأنه كان عند كل ضيق يتعرض له في الجنوب او غيره يتجه قادته لمصر و العراق و السعودية و العراق صلته بالجيش السوداني كانت تتم بمعزل عن صلة حكومة حزب الأمة السيئة مع بغداد و بقية العواصم العربية فقد فتح الجيش العراقي مخازنه للجيش السوداني أيام إحتلال مدينتي الكرمك و قيسان و منحه أسلحة تقدر بمئات الملايين و الجيش حتى على مستوى الرتب الوسيطة و الدنيا يقدر الوقفة العربية معه.
الكلام أنصب الآن في خانة الفعل لكن ماذا عن رد الفعل! ” حزب الأمة يمتلك ميليشيات مسلحة تسليحاً جيداً في إقليمي دارفور و كردفان يقودهما حاكما الإقليمين التيجاني السيسي و عبدالرسول النور إلا أن مقاومتهما لت تكون فعالة إلا إذا تمكنا من كسب الجيش الموجود بالإقليمين و تحييد تشاد و هذا أمر صعب بل يكاد يستحيل، كردفان تقدم الجهد الأكبر في مقاومة الحركة الشعبية لإنشغال دارفور بالصراعات القبلية التي تفتت وحدة حزب الأمة في دارفور و لكن اذا لم يتمكن عبدالرسول من المقاومة العاجلة فمن المحتمل أن يلتجئ برجاله إلى داخل الحدود القريبة لتشكيل جيش معارض، و لكن فرصة السيسي في دارفور في الإلتجاء إلى تشاد ضعيفة لسوء علاقات حزب الأمة بالحكومة التشادية.
الهم الأكبر للحركة سيكون العقيد جون قرنق و جيشه، إلا أن وجود أكثر من ضابط جنوبي ضمن تشكيلة مجلس قيادة الثورة و إلغاء الدستور. قد تمكنان الحكومة الجديدة من التفاوض مع جون قرنق و من المتوقع ان تسلم الحركة بكل مطالب جون قرنق و تجلس معه للتوصل إلى إتفاق.
حركة قرنق من جانبها أعلنت أنها تراقب و لن تعلق حالياً و لكن الإتجاه السياسي للحركة هو الذي سيحدد رد قرنق.
الإعلان الأمريكي عن الأسف و عن المطالبة بعودة الديمقراطية هو رد فعل هش و خذر بإنتظار اللون الذي سيلبسه عسكر الخرطوم.
المهم في الخرطوم حالياً هو رد الفعل العربي و تحديداً مصر و السعودية.
الخرطوم تمور من الداخل إلا أن كل شيء على السطح هادئ و بإنتظار حلقة أخرى في سلسلة المفاجآت ستبقى السلطة بيد العسكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *