المسألة الاقتصادية … جنون الأسعار (2) … “د. أمين حسن عمر”

ما من كلمة حق أريد بها باطل واجُترح بها الباطل فى أسواقنا السياسية والاقتصادية مثل كلمة التحرير، وما يبدو لى من استخدام مفردة التحرير فى أسواق المال وأسواق السياسة أنها باتت تعنى الظلم والتعدى واستحلال دماء الناس وأموالهم بأدنى ذريعة. حتى أصبحت المفردة إذ تقال نذيرٌ بشر مستطير. ومما لا يجب أن يظنه أهل المظنة السوء أننى ضد حركات التحرير أو سياسات التحرير بل قد ترانى أشد الناس حماسة للتحرر من الظلم والقيود و الاستغلال والامتهان . ولكننى ضد التزييف والتزوير للمعانى والمفاهيم وإعطاء كل معنى مقلوب مقصوده ومراده ، ولو أننا تركنا جانبا حركات التحرير المزعومة الموهومة ، فان موضع نظرنا مرة وغباً ومرة ثالثة هى الأسواق التى غدت معركة للشيطان يرفع فيها راياته ويسرح فيها بخيله ورجله ويتخذها ساحة للغش وأكل أموال الناس بالباطل وبالربا والاحتكار الخاطئ والغبن الفاحش والغرر والاستغفال. ولأمر ما أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من الشيطان فى موضعين على وجه الخصوص أحدهما هى السوق.
أسواقنا ما بالها :
ذكرنا آنفاً أن الناس قد فوجئوا بالأسعار المسعورة والغلاء الفاحش يُبرران بشتى التبريرات وغالبها ليس بكاف ولا صحيح ،فمرة تبرير برفع الدولار الجمركى رغم أن سائر الأغذية والأدوية معافاة من الرسم الجمركى بالكامل ومرة لارتفاع قيمة الدولار هو تبرير وإن صح فليس بكاف. فالقول إن ندرة العملات الحرة التى تستورد بها السلع هى السبب ليس بتبرير دقيق لأن هذه الندرة سببها ليس النقص الذي طرأ مؤخراً بل اتخاذ هذه العملات الحرة نفسها سلعة تجري المضاربة فيها فهى واحدة من السلع التى تجرى فيها المضاربة بغير وازع ولا ضمير بإستغلال هلع مصنوع يتزايد بالإعلان عن إرتفاع متصاعد يدفع الناس إلى مزيد طلب على الدولار بلا حاجة لإستيراد ولا بيع سلعة ولا شراؤها ، وإنما هو خوف الناس من جهة على مدخراتهم وجشع المضاربين الذى لا يجد له سقفا يسقفه ولا حداً يوقفه من الجهة الأخرى . والا فما معنى ان يرتفع سعر العملة الاجنبية في يوم واحد بمقدار الخُمس ثم هو قد ينخفض فى اليوم الذي يليه بشائعة بنفس المقدار ليحصد المضاربون وحدهم الفوائد . ولكن الدولار ليس وحده هو السبب فقد كانت أسواقنا دائماً مقارنة بالأسواق فى المنطقة شديدة الغلاء حتى والعملات الاجنبية متوفرة. فكل معروض فيها يباع بأغلى مما يباع فى أسواق المنطقة العربية . لأن اسواقنا لا تشتري فى الغالب من المنتجين بل من تلكم الاسواق العربية والتى سوق للأثرياء ومن يبيع لها يبيع لها بأسعار أختطت لأهل الوفرة من المال لا أهل العوز إليه . وبتبعية أسوقنا لأسواق الأثرياء تصبح تلك الاسواق وسيطا يغُلى الأسعار على جمهور الشارين فى اسواقنا وكان يجب إلزام من يجلب البضائع أن يجلبها من المنشأ لا من أسواق الأغنياء ليبيعها للفقراء . وآفة أخرى من أسباب غلاء أسواقنا هى الجهالة بحجم الطلب للسلع فالعلم بحجم الطلب ضرورى لئلا تجفف السوق على المشترين فيعلو السعر ولا تغرق على البائعين فيخرجون من السوق و فى كل غبن على الشاري والبائع. فيتوجب على السلطات الاتحادية والولائية الإحاطة بحاجة الجمهور للسلع لمنع التجفيف والإغراق. وأوجب ما قد يجب على وزارة التجارة هو نشر المعلومات بالوسائط كافة عن حجم المعروض وحجم الطلب على السلع وأسعار هذه السلع فى المنشأ وفى الأسواق الوسيطة حتى يكون المستورد والتاجر والمستهلك على بينة مما يبيع ويشترى فإن العلم إن كان مطلوبا فى كل شىء والجهل مكروه فى كل شىء فإن أتعس الجهالة هى تجهيل البائع والمشترى . وأما آفة الآفات ومستجمع الموبقات فهو الاحتكار بشتى أصنافه . فالاحتكار هو اكبر الأسباب لغلاء الأسعار فى اسواقنا . واوسع ثغرات التفريط لحكوماتنا الاتحادية والولائية هو تقصيرها فى محاربة الاحتكار. وليس من شر أفدح ضررا بالناس بعد الربا مثل الاحتكار.
الاحتكار الملعون:
والاحتكار هو حبس السلع الضرورية لحاجة الناس إرادة الغلاء . وعرفه الأحناف بالقول : اشتراء الطعام ونحوه وحبسه الى الغلاء وقال المالكيون: رصد الاسواق انتظارا لارتفاع الأثمان .وقال الشافعية : اشتراء القوت وقت الغلاء وإمساكه وبيعه باكثر من ثمنه للتضييق. وقال الحنابلة: اشتراء القوت وحبسه انتظارا للغلاء. ولا خلاف بين الفقهاء جميعا على حظر الاحتكار وحرمته. ذلك أنه ضرر والقاعدة فى الشرع انه لا ضرر ولا ضرار. ولانه غمط للحق فكل ما يباع فى الاسواق حق للعامة فان امتنع البائع عن البيع عند شدة حاجة الناس اليه فقد منعهم حقهم. ومنع الحق عن المستحق ظلم وحرام. وغالب الفقهاء عده من الكبائر وذلك من ظاهر الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم من احتكر فهو خاطئ. وفى رواية مسلم لا يحتكر الا خاطئ ومن رواية احمد من احتكر الطعام اربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ومما رواه ابن ماجة الجالب مرزوق والمحتكر ملعون وقوله صلى الله عليه وسلم من رواية ابن ماجة من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس. وفى الحديث مما روي الطبرانى «من دخل فى شيء من اسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله ان يقعده بعظم من النار يوم القيامة ». ورغم التشديد على الطعام فان الاحتكار يدخل فى كل صنف للناس فيه حاجة ماسة . يقول ابو يوسف كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار . ويقول سحنون صاحب مالك رضي الله عنهما جميعا سمعت مالكا يقول: الحكرة فى كل شيء في السوق من الطعام والزيت والقماش وجميع الاشياء وكل ما أضر بالسوق . وليس كل الاحتكار بالحبس والتخزين بل ان اكثر الاحتكار في زماننا يأتى من التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها اتفاقا بين ثلة قليلة ممن يحتكرون الصنف. ففي أحوال كثيرة فاشية فى اسواقنا يجري حصر استيراد الصنف فى طائفة محدودة يسهل بل يقع تواطؤها على الافحاش فى السعر. ولذلك لزم على القائمين على الأمر استنان السياسات التى تمنع حصر الاستيراد وتحرم التواطؤ وتمنع الاشتراك والاندماج بين البائعين اذا كان مفضيا للحصر والاحتكار. والمتابع لأحوال السوق يجد ان غالب الغلاء انما يحدث من الاحتكار والتواطؤ ان لم يكن بالاتفاق فبالتسامع والتنافس بين البائعين ليس على البيع ولكن على اغلاء الأسعار.
المشتري المغبون:
وإغلاء الأسعار فوق المعتاد المعروف يدخل فى باب البيع بالغبن الفاحش. والبيع بالغبن الفاحش محرم. فإنما شُرع البيع لتبادل المنافع لا للتخادع والتظالم. والشارع الذي أحل البيع وحرم الظلم والربا لم يمنع من الربح ولم ينه عنه فى البيع والشراء. والغبن هو نوع من اكل مال الناس بالباطل لأنه تربح بغير المعروف واستغفال للشارين . وكل بيع قام على التجهيل والغرر فهو باطل وعجبا لمن لا يرى رد المبيع بالغبن الفاحش بحجة واهية لأن الشاري كان يتوجب عليه ان يكون حذرا يقظا ولا يدفع فى سلعة أضعاف ثمنها ولا يكون مغفلا يخدعه البائعون . فمتى كانت غفلة الغافل سببا لجعل الخطأ صحيحا والباطل حقا. وبعض ممن لا يرى رد المبيع بالغبن الفاحش يستثنى حالات كأن يكون الشاري وكيلاً ليتيم أو وصياً لصغير ومنها ان يستأمنه البائع فيطلب منه ان يبيعه بسعر السوق فان أدعى أنه باعه بسعر السوق ثم ظهر الغبن فله الرد . ولكننا نقول ان الغبن الفاحش استجهال واستغفال وكل بيع قام على الجهالة فهو مردود وباطل. وقد اختلف الناس فى تحديد الغبن الفاحش . فقيل ان الغبن الفاحش هو ما لا يدخل فى تقدير المقدرين من أهل الخبرة والصنعة فإذا قدره بعضهم على سبيل المثال بثلاثمائة وبعضهم بأربعمائة ولم يقدره البعض الآخر باكثر من ذلك فيكون اذا زاد على تقدير المقدرين غبنا فاحشاً . وقال آخرون كل ربح زاد على الثلث فهو غبن فاحش. وأفتى بعض المالكية بأن الربح اذا زاد على الثلث فسخ البيع بشرط ان يكون البائع عالماً بالغبن لأنه فى هذه الحالة يكون مغرراً بالمشتري والغرر يبطل البيع.
التسعير لدرء المفاسد:
ما من كلمة بغيضة للتجار مثل كلمة التسعير ويزعمون انه مخالف لسياسة التحرير ومجانب للسنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسعر عندما طُلب منه الصحابة ذلك وقال ان المسعر هو الله. وليس قولهم هذا بصحيح . فتدخل ولى الأمر بحق السياسة لدرء مفسدة الظلم ورفع الغبن ليس بالأمر المخالف للسنة المطهرة بل هو عين السنة ونهجها وسمتها. والتسعير الذى نقصده هنا هو اعلان القيمة التى يشيع البيع عليها فى الاسواق . ولا نعنى ثمنا يحدده ولى الأمر تشهيا أو تعسفاً دون معرفة السعر السائد فى السوق على ان لا يكون فى هذا السعر تواطؤاً بين البائعين يوقع الغبن الفاحش على المشترين . وكره جماعة من الفقهاء التسعير من الحاكم مطلقا ولكن عند التحقيق نعلم أن الذى كرهوه ليس هو الأخذ على يد التجار ليمتنعوا عن ايقاع الغبن الفاحش على الشارين وانما عنوا منع التسعير الادارى الذى لا يضع اعتباراً للكلفة والوفرة والتنافس. وذهب المالكية الى جواز التسعير وبخاصة فى الأقوات . وذهب شيوخ اهل المدينة مثل سعيد بن المسيب وربيعة الى جواز التسعير مطلقا أى فى الأقوات وغيرها . وما نراه حقاً أن التسعير نوعان : أولهما تدخل الحاكم لمنع الظلم المتأتى من الاحتكار او تواطؤ الباعين على اغلاء الاسعار بغير مبرر سوى الاسترباح القائم على الغبن الفاحش. وأما النوع الآخر فهو التسعير الاشارى المعمول به فى كل البلدان حتى الرأسمالية منها . وهو إلزام الغرف التجارية ووكالات ومحلات التجزئة للتعريف بالأسعار السائدة . ويمكن أن يقع التوافق فى بلادنا بين الغرف التجارية بين الفينة والأخرى على التعريف باسعار السلع وإلزام البائعين بإبراز أسعار البيع على السلع دون تدخل السلطات فى تحديد الأسعار . وانما يُكتفى بإلزام البائعين بالتعريف بالسعر الشائع أو المتعارف عليه للسلعة. وسوف يمنع ذلك الترتيب اغلاء السلع بتمنى وتشهى بعض البائعين ثم متابعة الآخرين لهم لتغلو الأسعار بغير مبرر ولا سبب. وليس فى هذا الضرب من التسعير الاشارى مخالفة لسياسة التحرير بل هو على خلاف ذلك . فهو الأمر المعروف فى كل أسواق العالم الذى نسميه حراً . وختاما نقول يا تجار الأسواق اتقوا الله فان الظلم ظُلمات يوم القيامة . وتجنبوا الاحتكار لئلا يصيبكم الله بالجذام والافلاس . ويا شراة الأسواق والمنفقين فيها أموالهم اتحدوا فى وجه المستغفلين إياكم فلستم من أهل الغفلات ولا تقبلوا الفاحش من الغبن ولا تواطؤ البائعين على أكل أموالكم بالباطل . فأنتم من سيشفى الأسعار من سعارها . فالمستهلك هو السيد وهو دائماً على صواب ولو كره الكارهون. ويا حكومة الاتحاد وحكومات الولايات أحكموا الأمر فإن الحكومة من الإحكام ثم لا تنسوا أنه فوق كل عالم عليم وفوق كل راحم رحيم.
د. أمين حسن عمر

مقالات د. امين حسن عمر>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *