“من ضيع السودان” عشر مخازٍ سودانية – الحلقة (10) “عثمان ميرغني”

(المخازي السودانية العشر) اخترتها لكم- بعناية فائقة- لتعكس تنوع الكوارث، مع ثبات مفاهيم العمل العام المعوجة في بلادنا.. تختلف الكوارث ونظل أسبابها واحدة.. ضعف مبادئ العمل العام، التي تدار بها بلادنا في مختلف المستويات..
ثامن المخازي العشر السودانية.. هي التي كشفت عن نفسها- عارية- بعد حادثة تدمير مصنع الشفاء السوداني!!
ما الذي حدث بالضبط؟!!
في مساء يوم 20 أغسطس عام 1998 شاهد سكان العاصمة (بمدنها الثلاث) أشباحاً طائرة غير واضحة المعالم.. ثم بعد قليل دوت أصوات انفجارات رهيبة في أقصى شمال شرق مدينة بحري.. في المنطقة الصناعية- قريباً- من محطة الشهيد محمود شريف الحرارية.. لم يكن أحد يعرف ماذا حدث إلا بعد أن بثت إذاعة البي بي سي من لندن خبراً عن غارة أمريكية على الخرطوم، ثم تبعتها الإذاعة، واستمر التلفزيون السوداني في بثّ مباشر، ينقل صور موقع الانفجار، وأشلاء المصنع المدمرة، وألسنة الدخان والنيران تتصاعد منها، وكبار المسؤولين في الدولة يدلون بتصريحات مباشرة من موقع الحدث.
ما وراء الحدث!!
مصنع الشفاء للأدوية الذي افتتح في مارس عام 1997، كان يملكه رجل الأعمال السوداني، بشير حسن بشير بنسبة (60%) شراكة مع توكيلات باعبود للملاحة والتجارة بنسبة 
(40%)، ولكن بعد عام واحد من افتتاحه- أي في مارس 1998م- باع الشركاء مصنع الشفاء إلى رجل أعمال آخر- ذاع صيته في تلك السنوات- السيد صلاح أحمد إدريس (الشهير بصلاح إدريس).. تولى إدارة المصنع في البداية السيد عثمان سلمان، ثم خلفه الدكتور إدريس الطيب.
كان المصنع ينتج مجموعة من الأدوية البشرية والبيطرية بأحدث التقانة، وحظيت منتجاته بمكانة مرموقة في السوق السودانية، بديلاً لأدوية كانت تستورد من الخارج.
أنا – شخصياً- دخلت المصنع كثيراً قبل تدميره، إذ كان لي شرف تصميم وتنفيذ نظم الكمبيوتر الإدارية التي كان المصنع يعمل بها، وأكثر ما لفت نظري أن شبكة الكمبيوتر التي كانت تربط جميع أقسام المصنع نفذت بأعلى تقانة- في وقتها- باستخدام توصيلات الألياف الضوئية، ولم يلفت نظري إطلاقاً في المصنع الذي جبت كثيراً كل أرجائه أية أركان مظلمة يشتبه في ممارستها أعمال (ذات طبيعة سرية خاصة)، بل كان التحرك داخل المصنع سهلاً بلا تعقيدات أمنية أو حراسات، وينقسم المصنع إلى جزأين.. الأول هو الجزء الصناعي، الذي يتكون من عدة وحدات متصلة ببعضها، تنتج أدوية مختلفة بشرية وبيطرية.. والجزء الثاني هو المبنى الإداري (الذي يظهر في معظم صور المصنع بعد تدميره).. وبينما كان المصنع صغيراً يتكون من طابقين فقط، كان المبنى الإداري أكبر حيث يتكون من أربعة طوابق، تحتل واجهة المصنع على الشارع الرئيس.
تناولت الإفطار أكثر من مرة في الكافتيريا، التي تقع في قلب الجزء الصناعي، ويلتئم فيها وقت الوجبات كل العاملين من مختلف وحدات المصنع الصناعية والإدارية.. وهي كافتيريا جميلة وحديثة، وفي أقصى الجزء الشمالي من المصنع كان المسجد.. الذي لم يصب بأضرار جراء الغارة.
والمثير للدهشة أن المبنى المجاور للمصنع من الناحية الشمالية هو محطة الكهرباء الرئيسة في الخرطوم بحري (محطة الشهيد محمود شريف الحرارية)، وكانت مستودعات الوقود فيها مجاورة- تماماً- لسور مصنع الشفاء، لكن الضربة الصاروخية كانت دقيقة إلى أبعد مدى، ولم تتأذى المستودعات بالغارة إطلاقاً.
تفجير السفارتين الأمريكيتين!!
في حوالي الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم 7 من شهر أغسطس عام 1998، توقفت شاحنتان أمام سفارتين أمريكيتين، وروع العالم كلّه بانفجارين متزامنين، رغم بعد المسافة الجغرافية بينهما، الأول في العاصمة الكينية نيروبي، والثاني في العاصمة التنزانية دار السلام، جملة القتلى (224)، منهم (12) أمريكياً، والجرحى (5000)- غالبيتهم- في نيروبي ومن الكينيين، كلا الانفجارين أسفر عن تدمير شامل كامل للسفارتين.
حبس العالم- كلّه- أنفاسه في انتظار الرد (الانتقامي) الأمريكي، وبعد حوالى أسبوعين بالتحديد في مساء الخميس 20 أغسطس 1998 جاء الرد الأمريكي بالتزامن، وفي موقعين في العالم.
الأول في أفغانستان حيث استهدفت أربعة معسكرات لتدريب عناصر القاعدة، الغارة تشكلت من (75) صاروخاً من طراز (توماهوك كروز)، وأسفرت عن مقتل عدد قليل، وفشلت في اصطياد زعيم القاعدة، الذي غادر أحد مواقع الهجوم، قبل فترة قليلة من بدء الغارة.
الغارة على مصنع الشفاء
في حوالى الساعة السابعة من مساء الخميس 20 أغسطس 1998 انطلقت (17) صاروخاً من النوع (توماهوك كروز) من ظهر بارجة أمريكية في البحر الأحمر.. عبرت الحدود السودانية الشرقية حتى وصلت إلى مجري نهر النيل في منطقة شمال مدينة عطبرة.. ثم انحرفت ناحية الجنوب محازية مجري النيل، بل ومتخذة منه معلماً جغرافياً في رحلة البحث عن هدفها المعلوم.
في حوالي الساعة السابعة والثلث كانت الصواريخ الـ (17) تخترق الحدود الشمالية لولاية الخرطوم، تطير على ارتفاع حوالى مئة متر فقط فوق سطح الأرض في شكل حزمة واحدة، كأنها سرب من الطيور المهاجرة.
عند اقترابها من العاصمة انقسم السرب إلى ثلاث مجموعات.. المجموعة الأولى حافظت على مسارها مستقيماً جنوباً في اتجاه الخرطوم بحري.. والمجموعة الثانية انحرفت غرباً في اتجاه غرب أم درمان.. والثالثة اتخذت مساراً مقوساً حتى جنوب الخرطوم، ثم استدرات عائدة نحو مدينة بحري عابرة فوق مطار الخرطوم، كل مجموعة كانت تتكون من حوالي ستة صواريخ، الصاروخ الأول- الذي وصل إلى موقع مصنع الشفاء- ألقى بقنبلة مضيئة؛ لتنير كل الموقع، وتلتقط الكاميرا المثبتة في أسفله صورة الموقع؛ حتى تضبط تصويب الصواريخ التالية، التي كانت تستهدف تدمير المصنع.
بعده بثوان بدأ وصول الأسراب الباقية وانهالت الصواريخ على الموقع لتدك المصنع، وتهدم جزءاً من المبنى الإداري بطوابقه الأربعة.. في أقل من نصف دقيقة كان مصنع الشفاء حطاماً، تطاير في كل إذاعات، وفضائيات العالم، حيث نجح تلفزيون السودان في بثّ صور حية للموقع، كانت قناة (CNN) الأمريكية تعتمد عليها في بثّ تغطيتها المتواصلة للحدث.
نتج عن الغارة مقتل رجل كان حارساً لمصنع مجاور لمصنع الشفاء.
لكن الخسارة الأكبر كانت للشعب السوداني، الذي كان المصنع يوفر غالبية حاجته من الأدوية المهمة، خاصة لبعض الأمراض المستوطنة؛ إذ كان مصنع الشفاء أكبر وأحدث مصنع للدواء في السودان، وفي لحظة تحول حلم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواء إلى كابوس.
أسامة بن لادن!!
لم يكن واضحاً– في البداية- لماذا اختارت أمريكا ضرب مصنع الشفاء، فالأهداف التي قصفتها في دولة أفغانستان- في نفس وقت الغارة على السودان- كانت مواقع معروفة لتنظيم القاعدة، وهو التنظيم الذي تبنى تفجير السفارتين في نيروبي، ودار السلام، فما الذي دفع أمريكا لتضيف مصنعاً للأدوية في الخرطوم بحري إلى قائمة الأهداف (الانتقامية)، أغلب التحليلات تجمع على أن الرئيس الأمريكي- كلينتون- كان في حاجة ماسة وعاجلة إلى رد فعل انتقامي، ولم يكن كافياً توجيه ضربة واحدة لمعسكرات معزولة في مغارات وجبال أفغانستان.
الحجة التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة الأمريكية في ضرب المصنع أنه واحد من استثمارات تنظيم القاعدة، وينتج أسلحة كيمائية (بالتحديد غاز الأعصاب القاتل).
لكن الحجة ذابت سريعاً تحت إصرار الحكومة السودانية على فتح الأبواب مشرعة لأمريكا، أو الأمم المتحدة؛ لارسال فريق؛ للتحقيق حول هذه المزاعم، رفضت أمريكا العرضين.. عرض إرسال فريق تحقيق أمريكي.. أو تحقيق أممي.. كان واضحاً أن هناك خطأ استخباراتي أدى إلى هذه الغارة، التي لم يشهد السودان مثيلاً لها في تأريخه..
ما هو الخطأ الاستخباري!!
صلاح إدريس رجل الأعمال الشهير وصاحب مصنع الشفاء، قال- في حوار مع صحيفة السوداني عام 2007: (المصنع ضرب؛ نتيجة معلومات استخبارية كاذبة وظالمة من أحد المحسوبين على المصنع، ومن ثم تلقف تلك الوشاية البغيضة التي نال صاحبها مبتغاه الدنيوي الرخيص، ولا بد أنه ظلّ وما زال تحت وطأة عذاب الضمير).
حسب ما تكشف بعد سنوات من تلك الغارة، أن المعلومات الأولية بشأن المصنع خرجت من أحد مهندسي المصنع، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، قبل الضربة بأيام قلائل، المهندس سوداني الجنسية.
السيد مبارك الفاضل المهدي صرح في بعض الوسائط الإعلامية أن المهندس الذي نقل المعلومات الخاطئة حول مصنع الشفاء، هو أحد كوادر الحركة الإسلامية، وأنه هاجر، واستقرّ في الولايات المتحدة الأمريكية.
لكني هنا في سياق هذا التحقيق الصحفي لا أود الاسترسال في تفاصيل حادثة قصف مصنع الشفاء، ومن تورط في تقديم تلك المعلومات الاستخبارية الكاذبة، ما دام أن الأمر لم يتأكد بصورة قاطعة.. لكني أضع خطاً بالقلم الأحمر تحت ردرود أفعال بعض ساسة المعارضة السودانية، في تلك الأيام الخوالي.
التجمع الديمقراطي المعارض..
خلال تلك السنوات الأخيرة من العقد الأخير في القرن العشرين كانت الحرب على أشدها بين الحكومة السودانية- تحت حكم الإنقاذ- والمعارضة السودانية- التي كانت تتخذ من العاصمة الإريترية أسمرا مقراً لها- وشنت المعارضة المنضومة تحت التجمع الديمقراطي بزعامة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني أشرس حرب عسكرية على امتداد حدود السودان الجنوبية والشرقية، بتحالف عسكري يشمل الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق.
أدبيات التخاصم السياسي- في ذلك الوقت- شكَّلت (سابع المخازي السودانية العشر)، بعد الغارة الأمركية على مصنع الشفاء ظهر السيد مبارك الفاضل المهدي على شاشة قناة الجزيرة، وطالب أمريكا بتوجيه مزيد من الضربات الجوية على أهداف في السودان، ذكر منها (مدينة جياد الصناعية)، وهي منشأة مدنية تقع في ولاية الجزيرة، تشتمل على عدة مصانع للمتحركات، والحديد وغيرها، وقال مبارك الفاضل- في حديثه للجزيرة: إن تلك المنشأة تستخدم لإنتاج الأسلحة الكيمائية المحظورة..
السيد التجاني الطيب (رحمه الله) لم يترك الساحة لينفرد بها مبارك الفاضل، فقال- في مقابلة صحيفة مع (العرب اليوم) في 24/8/1998- (أي بعد أربعة أيام من حادثة قصف مصنع الشفاء)- قال التجاني الطيب: (اسم مصنع الشِّفاء ورد في الحديث عن التصنيع الحربي، طبقاً للمعلومات التي وصلت إلينا من المعارضة في الداخل قبل الضربة الأمريكية بفترة طويلة، هذا المصنع ينتج الأسلحة الكيميائية مع غيره من المصانع، لقد كشفنا هذا كلّه للعالم، من حيث إمداد فصائل إرهابية في العالم بهذه الأسلحة، ومن حيث استخدامها في ضرب المعارضة العسكرية في الجنوب، أو جبال النوبة).
وقال الفريق عبد الرحمن سيعد الناطق الرسمي باسم التجمع الديموقراطي المعارض لصحيفة الشرق الأوسط النندنية: (المواطن السوداني ليست له مصلحة في إقامة مثل هذه المنشأة المشبوهة، التي لا تخدم مصالحه، ماذا نتوقّع بعد ذلك غير ضرب مثل هذه المنشآت؟، إن السّودانيين يعلمون- تمامًا- أنّه مكان مشبوه، أين يذهب إنتاج هذا المصنع، إذا كان مصنعاً للدواء؟).
واشترك السيد الصادق المهدي- أيضاً في هذه الدراما-، فقال لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية الصادرة يوم الثلاثاء 25/ أغسطس 1998: (هذه الضربة- قصف مصنع الشفاء- لا يمكن تفسيرها، أو أخذها بمعزل عن سياسات الحكم، باستغلال مؤسسات مدنيّة لأغراض عسكرية.. إن الشّبهات والدلائل تؤكد ذلك).
قنبلة باكستان النووية!!
في دولة باكستان كان الصراع السياسي على أشده.. بينما الجيش الباكستاني يبني- في السر- قنبلته النووية الأولى، وكان الفرقاء السياسيون يتناوبون على الحكم.. ما أن يتولى أحدهم الحكم حتى يطيح به الآخر.. ووصل الأمر درجة التصفية الجسدية بأحكام الإعدام، التي أصدرها بعضهم، أو عن طريق المؤامرة، كما حدث للجنرال ضياء الحق، الذي اغتيل في حادثة سقوط طائرة هليكوبتر.
مع كل ذلك لم يتجرأ سياسي باكستاني واحد على كشف سرّ جيش بلاده.. ظلت أبحاث وعمليات إنتاج القنبلة النووية سراً مقدساً لا يفشيه الساسة المتخاصمون.. فالأمن القومي ليست معروضاً في ساحة التقاتل السياسي- مهما اشتد.
سقوط أدب التخاصم السياسي!!
لكن في بلادنا، ما أسهل أن يرتكب السياسي الجريمة في حق وطنه.. وما أسهل أن تنتهي سنوات التخاصم إلى تقاسم كيكة الحكم.. فتمسح كل السوابق.. وتقدم المناصب السياسية السامقة دون تفرس في السيرة الذاتية الوطنية.. فبعض الموبقات الوطنية كافية لمسح اسم السياسي من لائحة العمل العام مدى الحياة..
ليس في بلادنا خط أحمر وطني.. بل على العكس، يبدو أن الحكمة التي يدار بها الملعب السياسي في بلادنا هي (إن سرقت.. اسرق جمل).. افعل ما تشاء.. ما دام أن الذاكرة الوطنية مصابة بالزهايمر الحاد.
في أي بلد ديمقراطي راشد.. كانت حادثة تدمير مضنع الشفاء كافية لشطب حزمة من السياسيين من القائمة.. وتسجيل سلوكهم في قائمة (المخازي السودانية)…
ونواصل في الحلقة القادمة بإذن الله
عثمان ميرغني
التيار

رابط كل الحلقات!

تعليق 1 ““من ضيع السودان” عشر مخازٍ سودانية – الحلقة (10) “عثمان ميرغني”

  • 4 أبريل، 2018 at 1:15 مساءً
    Permalink

    والله يااستاذ عثمان انا لمن اقرأ كتاباتك بحس انو دة الكلام الداير اقولو لاكن مالاقي الكلمات البعبر بيها ربنا يكتر من امثالك. لكن عندي سؤال انحنا السودانيين ديل مننا امل انو نطور بلدنا لانو جاني احساس انو الفشل جينات فينا. صراحة جد محتار

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *