“من ضيع السودان” عشر مخازٍ سودانية – الحلقة (11) “عثمان ميرغني”

الاقتباسات:
الفريق أول إبراهيم سليمان، والي شمال دارفور، الذي وقع الهجوم على الفاشر خلال توليه المنصب. كان رأيه أن المعالجة (سياسية).. مهما كانت وعورة الطريق وطول مساره.
هذه المرة أضع بين أيديكم (أم المخازي).. السودانية العشر.. ليس لأنها تمثل قمة التراجيديا المؤلمة فحسب.. بل لأنها لا تزال حتى اليوم ناراً تستعر تأكل الإنسان قبل الموارد.. وربما لأن أحداث (أم المخازي) هذه ما تزال جارية فكثير من كواليسها يلفه الصمت والستر المقيت.. لكن التاريخ يسجل وسيأتي يوم تجرد فيه الأجيال القادمة صنائع الحاضر.
إنها (محرقة دارفور) أم المخازي السودانية العشر..
ما الذي حدث بالضبط!!
في يوم الأربعاء 26 فبراير 2003 قامت مجموعة مسلحة أطلقت على نفسها (جيش تحرير السودان) بهجوم على منطقة (قولو) عاصمة جبل مرة.
كانت تلك صافرة البداية لحرب لم تنته حتى ساعة كتابة هذه السطور. التهمت خلالها أرواح مئات الآلاف وشردت أكثر من مليونين، وحوَّلت الإقليم إلى بؤرة اهتمام أممي استجلب حوالي (30) ألف عسكري أجنبي وعشرات المنظمات الإنسانية. و فوق كل هذا عشرات القرارات الصادرة من مجلس الأمن ضد الحكومة والأطراف السودانية.
تطور الحرب..
بعد حوالي شهر، بالتحديد في 25 مارس 2003 تمكنت المجموعة المتمردة المسلحة من احتلال مدينة (الطينة) على الحدود السودانية التشادية.
حتى تلك اللحظة لم تعر الحكومة هذه الهجمات اهتماماً كبيراً لمحدودية تأثيرها ولانشغال الحكومة بالحرب في جنوب السودان وفي الحدود الشرقية التي كانت تحت ظلال التهديد المستمر من قوات التجمع الديمقراطي المعارض الذي ينطلق من داخل اريتريا.
إلى أن جاءت اللحظة التاريخية الفارقة.. والتي حولت تماماً مجرى الأزمة في دارفور.. ففي حوالي الساعة الخامسة والنصف من فجر يوم الجمعة 25 أبريل 2003 اقتحمت (33) سيارة دفع رباعي مدينة الفاشر وداهمت الحامية العسكرية ثم اجتاحت مطار الفاشر وأحرقت ست طائرات (انتنوف) وطائرة مدنية جاثمة في المطار. كانت هجمة مشتركة من قوات جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة د. خليل إبراهيم.
الهجوم أسفر عن خسائر بشرية بين العسكريين والمدنيين وأسر بعض العسكريين من بينهم قائد العمليات الجوية اللواء إبراهيم البشرى.
نقطة التحول.
كان الهجوم على مدينة الفاشر نقطة تحول رئيسية فاصلة في تسلسل أزمة دارفور. وضعت الأحداث في مفترق الطرق، إما أن تتجه نحو الحل ولو تدريجياً وببطء أو تتجه نحو مزيد من الوحل والتوغل في الحرب.
وكان مثيراً للدهشة في تلك اللحظة كيف سارت اليوميات بصورة مربكة لكل المشهد. صدر التصريح الرسمي من الناطق الرسمي للقوات المسلحة داعياً للبحث عن (تسوية سياسية) قبل فوات الأوان. نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم 28 أبريل 2003 تصريحات للفريق محمد بشير سليمان الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية قال فيه (البندقية لن تحل القضية بل ستزيدها تعقيداً، والحرب في دارفور عبارة عن عصابات، ويستطيع فرد واحد يحمل بندقية أن يهدد الأمن لذلك فإن الأمر سيتطلب معالجة سياسية، ولا يمكن حسم هذه القضية عسكرياً).
اتفق معه على ذات الخيار الفريق أول إبراهيم سليمان والي شمال دارفور، الذي وقع الهجوم خلال توليه المنصب. وكان رأيه أن المعالجة (سياسية) مهما كانت وعورة الطريق وطول مساره.
لكن مع كل ذلك سارت الأزمة في المسار الآخر.. مسار المواجهة العسكرية.
وكان ملفتاً للنظر أنه وفي الوقت الذي بدأت فيه التسوية السياسية في جنوب السودان ونجحت في الوصول إلى أول اتفاق إطاري في (مشاكوس) يوليو 2002 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان. بدأت أزمة دارفور تدخل تدريجياً في رحلة الـ(لا) عودة من نفق الحرب اللعين.
الصقور مقابل العصافير!!
بعض الساسة (أسماؤهم معروفة للجميع) بدأوا يستثمرون في حرب دارفور.. خاصة الساسة أبناء المنطقة.. بعضهم يراهن على أن الحل العسكري لن يستغرق أسبوعين تحت شعار (أدونا أسبوعين نرفع لكم التمام!!) وآخرون أمعنوا في استنباط الكلمات التي تهون من الأزمة. من مثل وصف المتمردين بانهم (مجرد حفنة قطاع طرق) أو عصابات منبوذة.
وبدأت طبول الحرب تزداد حدة. وأخبار الاقتتال تحولت إلى روتين إعلامي حتى على المستوى الإقليمي خارج السودان.. وشيئاً فشيئاً بدأ نفق الحرب يزداد إظلاماً مع التوغل فيه.
ثم جاءت الطفرة الثانية!!
انهماك الحكومة في مواجهات عسكرية طارئة في حرب الجنوب بعد سقوط مدينة (توريت) خلال انعقاد جولات مفاوضات السلام في كينيا وبقاء الخطر ماثلاً في الحدود الشرقية التي اجتاحتها قوات الجيش الشعبي وتوغلت حتى مدينة كسلا. كل ذلك جعل الحكومة تتخذ مساراً جديداً كان إضافة حقيقية لتأزيم الأزمة.
أعلنت الحكومة عن تجييش بعض القبائل للدفاع عن نفسها في مواجهة الانفلات الأمني في دارفور. هذه القبائل كانت أصلاً جزءا من صراع دموي خلال أحداث متفرقة في العقود والسنوات الماضية. ولم تتردد القبائل.. إذ كانت تضمر تقديم (السبت) للحكومة ثم لتنفرد بـ(الأحد) الدامي لصالح أجندتها القبلية الضيقة.
في هذه الحقبة ظهر ولأول مرة على السطح مصطلح (جنجويد). وسرعان ما انفلت الجان من معاقله. خرجت قضية دارفور من السودان كما يخرج السهم من القوس، فانطلقت لتصبح قضية دولية مدوية في كل الأرجاء. ليس على المستوى الرسمي للحكومات فحسب، بل على المستوى الشعبي من قمة شعره إلى أخمص قدميه، حتى أطفال المدارس في استراليا والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بدأوا يجمعون التبرعات من أجل دارفور. وصلت التراجيديا أن صارت دارفور أكثر شهرة في العالم من السودان نفسه.
رحلة المعسكرات!!
في تلك الأيام ذهبنا في رحلة صحفية لزيارة مدينة نيالا. كان معسكر (كلمة) في أطراف المدينة معلماً مثل الأهرامات في الجيزة (ومثله في الفاشر معسكر “أبوشوك”). يفد ويحج الناس إليه من كل أنحاء العالم. ليس أفراد المنظمات الإنسانية أو الوفود الإعلامية العالمية فحسب، بل حتى سفراء الدول الأجنبية ووزراء الخارجية لدول كبرى مثل أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا.
المعسكر كان عبارة عن بيوت من القش وبعض الطين والرواكيب المصنوعة من البروش والأقمشة البالية. وعلى مد البصر مشهد مأساوي محبط. لكن أفجع ما فيه كان مارأيناه في إحدى المدارس (مرحلة الأساس) التي شيدتها إحدى المنظمات الإنسانية من الخيام والرواكيب. كان المعسكر وفيه هذه المدرسة يقع تحت مسار الطائرات التي تهبط في مطار نيالا الدولي. وعندما تمر الطائرة فوق المدرسة كان التلاميذ الصغار يرتجفون فيتبولون على أنفسهم. آثار الحرب اللعينة باتت تدمغ الوجدان الطفولي الصافي بكل طوفان الشر.
أصبحت معسكرات النزوح مظهراً ومنبعاً لمزيد من المأساة، بدلاً من أن تكون محطة معالجة عابرة في طريق الخروج من الأزمة. وللأسف وما زالت حتى الآن.
مجلس الأمن.. على الخط!
في ذات الوقت الذي بدأت فيه معسكرات النازحين تنمو هرب حوالي مائة ألف لاجيء سوداني إلى داخل الحدود التشادية المجاورة. كانت تلك بداية استشعار المجتمع الدولي لانطلاقة شرارة الخطر خارج حدود السودان.
وفي يوم 11 يونيو 2004 بدأ المسلسل الأممي بقرارات مجلس الأمن ضد السودان. القرار رقم (1547) كان أول قرار من مجلس الأمن يظهر فيه اسم دارفور. وحظي بتصويت كل أعضاء المجلس الـ(15) بالإجماع.
القرار أشار إلى تكوين فرق مراقبة أممية بتفويض لمدة ثلاثة أشهر لمراقبة الأوضاع في دارفور.
ونواصل غداً في حريق دارفور (أم المخازي) تاسعة المخازي السودانية العشر..!!
بإذن الله..!!
عثمان ميرغني
التيار

رابط كل الحلقات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *