“من ضيع السودان” عشر مخازٍ سودانية – الحلقة (9) “عثمان ميرغني”

 بعد حوالي (24) ساعة فقط من سقوط النميري أبت المفاهيم السياسية المعوجة إلا أن تطل برأسها حتى قبل أن تجف دموع الفرح في مآقي الشعب المبهور بنفسه وإنجازه الثوري.
• بعد إعلان قرار حل جهاز الأمن العام استبيحت معلوماته.. خاصة من جانب الأحزاب المتهمة بأن بعض قياداتها طمست ملفات تخصها في سجلات الأمن. ملفات (التعاون)!! وليس (النضال).
فصل درامي جديد أكثر قتامة (سابعة المخازي السودانية العشر)!! جرت في منتصف الثمانينيات.. بالتحديد في شهر أبريل 1985.. الشعب السوداني هب في انتفاضة جماهيرية ولا أروع واقتلع النظام الدكتاتوري الذي جثم على صدر البلاد (16) عاماً.. نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري.. تصوروا ماذا حدث.. بعد يوم واحد من سقوط النميري ونجاح الثورة الشعبية.. سقط جهاز أمن الدولة السوداني..!!
ما الذي حدث بالضبط!!
في صباح يوم الأحد 6 أبريل عام 1985 بث راديو أم درمان الرسمي في السودان بياناً مهماً من قيادة الجيش.. أذاعه الفريق أول – آنئذ- عبد الرحمن سوار الذهب، أعلن فيه سقوط دولة الدكتاتور النميري وتدشين فترة انتقالية تحت سيادة مجلس عسكري انتقالي من قيادة الجيش يعاونه مجلس وزراء مدني برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله.
الشعب كان فرحاً ينشر الأهازيج وشعارات النصر في كل مكان.. ليس لسقوط الدكتاتورية فحسب بل ولأنه وللمرة الثانية يصنع التغيير بيده لا بيد عمرو.. ولكن!!
بعد حوالي (24) ساعة فقط من سقوط النميري أبت المفاهيم السياسية المعوجة إلا أن تطل برأسها حتى قبل أن تجف دموع الفرح في مآقي الشعب المبهور بنفسه وإنجازه الثوري.
صدر قرار بحل (جهاز أمن الدولة).. هكذا خبطة واحدة.. تصفية جهاز أمن الدولة.. و(شحن) كل ضباطه من المكاتب إلى سجن كوبر مباشرة..
ماهو جهاز أمن الدولة!!
هو سلاسة تطوير تاريخي لجهاز استخباري أمني بدأ من بواكير أيام الاستعمار البريطاني بالتحديد في العام 1908.. وتطور العمل فيه خلال العهد الوطني بعد الاستقلال وكان يتبع لوزارة الداخلية تحت قيادة الشرطة المباشرة. إلى أن جاء عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري في العام 1969 وأولى العمل الاستخباري أهمية خاصة فأسس الرائد مأمون عوض أبوزيد (جهاز الأمن الوطني) وكانت معظم مهامه تتعلق بمكافحة التجسس والاختراقات الأجنبية للأمن السوداني فكان أقرب إلى جهاز (مخابرات).
في العام 1978 دمج الأمن الداخلي والخارجي تحت قيادة واحدة وأطلق عليه (جهاز الأمن العام) وتولى قيادته اللواء عمر محمد الطيب، الذي أصبح لاحقاً نائب رئيس الجمهورية.
تميز جهاز الأمن العام بكفاءة مشهودة إقليمياً بل في القارة الأفريقية على مستوى الأداء الداخلي والخارجي..
وحتى يوم 6 أبريل 1985 يوم الانتفاضة الجماهيرية كان يعمل بالجهاز (180) ضابطاً و(3100) جندي فقط. وكان غالبية الضباط والجنود إلا قليلاً من الكفاءات المدنية ولا يجيد استخدام السلاح منهم إلا حوالي (60) فرداً فقط وليس بحوزتهم إلا الأسلحة الخفيفة. بعبارة أخرى لم يكن الجهاز مهدداً للانتفاضة الجماهيرية أو قادراً على استعادة حكم الرئيس النميري كما كان يروج البعض لذلك.
ومع ذلك كان للجهاز نشاطا استخباريا واسعا خاصة في المحيط الخارجي المؤثر على أمن السودان.
وفي الداخل كان يعمل الجهاز بمنتهى المهنية في جمع المعلومات والتعامل معها وفق التفويض القانوني المناط به. حيث كان القانون يمنحه ذات صلاحيات مؤسسة الشرطة المنصوص عليها في قانون الشرطة للعام 1977.
امتلك جهاز أمن الدولة معلومات غاية في الأهمية. العقيد محمد الفاتح الذي كان مسؤولا عن إدارة السجلات ذكر في تحقيق صحفي أجرته معه الصحفية حنان بدوي في صحيفة السوداني عام 2007 وتوليت صياغته التحريرية.. فقال عن إدارة السجلات (السجلات عبارة عن طابق كامل في العمارة (3) وتحتوي على معلومات ومستندات يعود تاريخها للعام 1908م، من أول تنظيم لسجلات الأمن بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان إبان عهد الحكم الثنائي، باعتبار أن مركز السكرتير الإداري يعنى بالشؤون الأمنية، ثم بعد ذلك أنشيء قسم الأمن الداخلي بوزارة الداخلية، ثم فصل ذلك القسم من وزارة الداخلية وأصبح يعرف بالأمن العام كجهاز مستقل عام 1975م .. وظل قسم السجلات يتوسع ويتطور حتى أصبح الوعاء الذي تصب فيه كل المعلومات والتقارير المتعلقة بالأمن القومي).
ويواصل العقيد محمد الفاتح توضيح حجم هذه السجلات الاستخبارية فيقول: (المستندات التي كانت محفوظة بالسجلات المركزية بجهاز تتكون من الآتي:
* ملفات شخصية بالنسبة للسودانيين وعددها (6805) ملفات وقت التسليم وتحوي معلومات عن (18.675) شخصا من السياسيين ومختلف الفئات التي لها نشاط سلبي أو إيجابي متعلق بالأمن .
* ملفات الأجانب وعددها (1392) ملفا .
* كروت الأشخاص وهي المعلومات التي لا ترقى لفتح ملف مثلاً شخص خرج في مظاهرة وحكم عليه بالجلد أو غيره وعددها (86.400) كرت من السودانيين، والأجانب (71.000) ألف كرت في الخزنة.
* ملفات الموضوعات النشطة: المصانع (24) ملفا، الهجرة الأجنبية (22) ملفا، هجرة السودانيين (16) ملفا، النقابات (149) ملفا، والجامعات والمعاهد (113) ملفاً.
* الصحف ووكالات الأنباء وطنية وأجنبية (85) ملفاً إضافة للنشاط المعادي وحركات التحرر واللاجئين والتنظيمات .
* أما باقي المعلومات فكانت موضوعات كروت وأشرطة تسجيل ومايكروفيلم وأفلام فيديو، ومن ضمن محتويات الخزنة ملف رقم (7829) يخص مأمون عوض أبوزيد، وملف رقم (6881) يخص جعفر نميري. وكانت بعض المعلومات تحفظ لدى مدير الإدارة في الخزنة، وكلها مصورة بالمايكروفيلم، وهناك معلومات متعلقة بشخصيات أجنبية مهمة.
علاوة على كل تلك المعلومات الثمينة كان لجهاز أمن الدولة عناصر مزروعة في تنظيمات معادية وبعضها أجنبية. وكانوا يؤدون عملاً وطنياً كبيراً لصالح بلدهم السودان.
إغلاق (كشك جرائد)!!
بين ليلة وضحاها.. وكأنما هو قرار بإغلاق (كشك جرائد) في السوق العربي صدر قرار بـ(حل وتصفية جهاز أمن الدولة).. حتى لحظة كتابتي لهذه السطور يتهرب كل أصحاب القرار من الانتساب إليه.. فكأنما هو قرار (مجهول الأبوين).. ألقت به الأقدار في لفافة في العراء والتقطه الحظ السعيد ليصنع كارثة للبلد غير السعيد.
تصور مشهد عميل للجهاز مزروع في قلب الأدغال والغابات ليكتشف فجأة وبدون مقدمات أن الجهاز الذي يقوده ويدير ويتحكم في نشاطه قد اختفى من الوجود تماماً كما تختفي طائرة –مثل الطائرة الماليزية الشهيرة- في السماء فجأة من الرادار..
استباحة ملفات المعلومات!!
ليس هذا فحسب.. بعد إعلان قرار حل جهاز الأمن العام استبيحت معلوماته.. خاصة من جانب بعض الأحزاب السودانية التي يتهمها البعض بأن بعض قياداتها عملت بجد لطمس معالم ملفات تخصها في سجلات الأمن. وبعضها ملفات (التعاون)!! وليس (النضال).
صحيح قد يكون بضع ضباط وجنود جهاز أمن الدولة مخالفات يستحقون عليها المحاسبة. لكن في أي دولة راشدة تمضي هذه المحاسبة بكل يسر وسلاسة دون هدم المعبد فوق الرؤوس..
ثم استباحة أمن البلاد!!
بعد أسابيع قليلة من حل وتصفية جهاز أمن الدولة اكتشفت قيادة البلاد أنها باتت في العراء بلا ساتر أو رقيب.. وبدأت الأحداث الكبرى الجسيمة تطفح على سطح نشرات الأخبار..
مجموعة فلسطينية تهاجم فندق (أوكربول) في قلب الخرطوم. وتقتل بعض الأجانب فيه.
مجموعة عراقية تقتحم فندق (هيلتون) في الخرطوم وتقتل (الحكيم) أمام بصر وسمع الجميع، ثم تخرج من مطار الخرطوم بكل هدوء وسلام.
انهار الأمن تماماً ليس في الأطراف بل في قلب الخرطوم العاصمة.. وبات واضحاً أن الإحساس بوجود دولة ذات سيادة أو هيبة القانون ضاع تماماً. ولم يعد بالإمكان الخروج عن محيط مدينة الخرطوم بعد مغيب الشمس مباشرة.
أسرتي في قرية الخليلة.. على بعد (25) كيلومتراً من قلب العاصمة، كانوا ينصحونني أن أبيت في المدينة ولا أحاول العودة للمنزل بعد مغيب الشمس فالطريق لم يعد آمناً.. هنا في ضواحي الخرطوم وليس في أقاليم السودان البعيدة..
العودة إلى نقطة (الصفر)!!
الأجهزة الأمنية والمخابراتية في كل العالم تعتمد بصورة رئيسية على تراكم الخبرات وتواتر الأجيال.. وتبني كفاءتها وقدراتها على تواصل الخبرة.
لكن الذي حدث في يوم 7 أبريل عام 1985 كان قراراً بإعدام جهاز الأمن السوداني.. وليس ضباطه وجنوده. العودة إلى نقطة الصفر وإضاعة كل العمر الاستخباري الذي تراكم خلال فترة الاستعمار ثم العهود الوطنية التالية له.
لماذا؟؟ كيف صدر قرار حل الجهاز؟؟ أتحدى من يجد إجابة على هذا السؤال.. فالواضح أن (منهج التفكير) الذي أنجب قرار الرئيس النميري بحل الأندية وجعلته يهتف (لا هلال ولا مريخ) فذبح كرة القدم السودانية من الوريد إلى الوريد وهي في أوج عظمتها وازدهارها.. والقرار الذي صدر بتأميم ومصادرة البنوك الأجنبية والشركات الوطنية في السودان.. وقرار حل الحزب الشيوعي ثم الازدراء بحكم المحكمة التي ألغت القرار.. وقبلها قرار السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء قلب الطاولة وتدشين أول انقلاب عسكري ضد الحكم المدني في السودان.. وقبل كل هذا قرار السودنة بكل عجلته وتسرعه ونزوات الطمع الشخصي والحزبي فيه.. كل ذلك كان من رحم ذات العقلية التي أنجبت قرار حل جهاز أمن الدولة.. لتترك البلاد عارية الصدر أمام عالم تقوم مفردات القوة فيه على حرص الدول على أمنها القومي.. والذي يعتمد على امتلاك المعلومات!!
ونواصل يوم الأحد القادم في ثامن المخازي السودانية العشر..
بإذن الله..!!
عثمان ميرغني
التيار

رابط كل الحلقات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *