“من ضيع السودان” عشر مخازٍ سودانية – الحلقة (19) “عثمان ميرغني”

عنوان الحلقة (الآباء المؤسسون.. جرد الحساب)
بعد كل هذه (المخازي السودانية العشر) التي سردتها عليكم في هذه الحلقات.. ونماذج التأريخ السياسي المزور الذي كشفته لكم.. نحن في حاجة ماسة إلى النظر بجرأة وتبصر في صحائف المسكوت عنه.. جرد الحساب.. أباؤنا المؤسسون الذين تمنع (العواطف)، وحالة (السخرة السياسية) التي نعانيها، من مجرد النظر والتحديق في صحائف سيرتهم.
ماذا فعلوا.. للسودان؟!!
حتى لا يصبح تأريخنا السياسي مجرد عواطف مسكوبة في بحر الفشل الذي نكابده.. فلنأخذ أنموذجاً واحداً يكفي أن نقيس عليه الباقي.. استميحكم عذراً أن نضع السيد إسماعيل الأزهري في الميزان.. ميزان الإنجاز الوطني.. وذكرت لكم في الحلقة الماضية.. أن الإنجاز مطلوب بالأرقام.. لا بأوهام العواطف.
تولى السيد إسماعيل الأزهري رئاسة حزب الأشقاء.. ثم لما اندمجت الأحزاب الاتحادية تحت لافتة (الحزب الوطني الاتحادي)، تولى رئاسته، ونال ثقة الشعب السوداني في أول انتخابات سودانية تعددية في ديسمبر 1953، وتولى منصب رئيس الوزراء في أول حكومة منتخبة وطنياً.
وفي يونيو 1956- أي بعد ستة أشهر فقط من الاستقلال- أطاح بالأزهري برلمانياً السيد عبد الله خليل، وتولى منصب رئيس الوزراء حتى يوم 17 نوفمبر عام 1958، عندما سلَّم السلطة إلى قيادة الجيش السوداني، وتولى الحكم الجنرال إبراهيم عبود.
بعد ثورة أكتوبر 1964 تولت الحكم حكومة انتقالية برئاسة السيد سر الختم الخليفة، ثم نال السيد إسماعيل الأزهري رئاسة مجلس السيادة (رأس الدولة)، حتى أطاح به انقلاب عسكري في 25 مايو 1969، بقيادة العقيد –آنذاك- جعفر النميري.
لم يمهله العمر طويلاً فأسلم الأزهري الروح في مستشفى الخرطوم يوم 29 أغسطس عام 1969.
ماذا أنجز السيد إسماعيل الأزهري للسودان؟، الإجابة السهلة التي ينطقها الكثيرون بمنتهى العفوية و(السخرة السياسية).. أنه رفع العلم يوم الاستقلال.. تلك المناسبة (التشريفية) البرتوكولية، التي ما جاءت إلا وفق إجراءات المراسم، والبرتوكول العادي، فلو كان في مكتب رئيس الوزراء أي زعيم سوداني آخر لما أعجزه (رفع!!) العلم على ذات السارية.
لم يكن الإنجاز في رفع العلم بقدرما كان (الإنجاز) في وصول السيد إسماعيل الأزهري إلى (يوم!!) رفع العلم، قبل أن تطيح به المنافسة، (بل الخلافات) السياسية العاصفة، التي كانت تحيط به من كل جانب، وأوشكت أن ترغمه على الترجل من كرسي الرئاسة، لولا نجاحه- بأعجوبة- في تحويل المسار كلّه إلى (طلب الاستقلال).. فأفلت، ولكن إلى حين.. مباشرة بعد انتهاء مراسم رفع العلم عادت المنافسة بأشد وأشرس مما كان، فاضطر السيد إسماعيل الأزهري بعد حوالى شهر واحد من يوم الاستقلال إلى تعديل حكومته؛ ليتجاوز الأزمة السياسية العاصفة، ومع ذلك لم ينجح إلا في الحصول على هدنة لأربعة أشهر- فقط- ثم ترجل عن قيادة البلاد.
ماهو الإنجاز؟؟
صحيح قد يقفز إلى ذهن القارئ سؤال منطقي.. ما هو (الإنجاز!!) الذي كان ممكناً تسجيله في ميزان حسنات الرئيس إسماعيل الأزهري.. ماذا نريد منه؟؟.
الإجابة سهلة.. لا يخرج الإنجاز الوطني المطلوب عن مسارين:
الآباء المؤسسون
الأول: المسار الفكري والمبدئي الأنموذجي المتعلق بإرساء حكم مستقر، وتجربة سياسية ناضجة، قادرة على قيادة البلاد، هذا المسار عادة يضطلع به (الآباء المؤسسون).. في الولايات المتحدة الأمريكية لعب الآباء المؤسسون دوراً كبيراً في إرساء الأركان الحقيقية لبناء دولة قوية، صنعوا الدستور الأمريكي، ثم مارسوا فضيلة تعديله وفق رؤية مؤسسية، وكان أول تعديل في الدستور؛ لإرساء دعائم حقوق الإنسان في أمريكا.. الوثيقة التي لا تزال فخر الشعب الأمريكي، ومصدر قوته.
الآباء المؤسسون في أمريكا، أمثال جيمس آدمز، وتوماس جفرسون، وجورج واشنطون، إنجازهم الأكبر كان في إرساء أركان دولة قوية، بإعداد الدستور، وحشد التوافق عليه في مرحلة أولى.. ثم تكريس الأنموذج العملي في الممارسة السياسية، التي تحترم وتوقر المواطن لكونه الغاية التي تنشدها الدولة بكل مؤسساتها، لخدمته، وتحقيق كرامته، ورفاهيته.
فماذا أنجز آباؤنا المؤسسون.. هنا في السودان؟؟، الإجابة أتركها لواقع الحال- الذي وحده يكفي.
بكل أسف.. السيد إسماعيل الأزهري، ورفاقه، الذين كانوا في وضع (الآباء المؤسسين)، لم يتركوا لنا أي فكر، أو ممارسة سياسية رشيدة، يمكن أن تبني دولة، صحيح يحفظ الناس شذرات من السيرة الشخصية للسيد الأزهري، تثبت سمات النزاهة، والأمانة، في التعامل مع المال، والشأن العام، لكن ذلك لا يتعدى المحيط الضيق المرتبط بمسلكه (هو) لا الدولة.. يغيب عنها البناء المؤسسي الذي يساعد في إرساء دعائم دولة راشدة، قادرة على استلهام عقول وخبرة أبنائها.
مثال عهد الجنرال عبود..
الثاني: المعطيات المادية.. الإنجازات على الواقع الملموس.. مشروعات التنمية التي تؤثرمباشرة على حياة الناس، ربما المثال الأفضل لهذا النوع من الإنجاز عهد الفريق إبراهيم عبود، رغم الظروف التي اكتنفت وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، أطاح بالتجربة التعددية.. إلا أن الأرقام تسطع بقوة لصالح عبود، قد يكون مناسباً الإشارة- السريعة الموجزة- إلى بعض إنجازات إبراهيم عبود، وصحبه.
مشروع المناقل، خزان الروصيرص، شارع الخرطوم مدني، شارع الخرطوم الجيلي، مد السكك الحديدية من بابنوسة إلى واو، المسرح القومي، تلفزيون السودان، كبري شمبات، كبرى كوبر، وطائفة طويلة من المشروعات التي لا تزال تشكل ركيزة الحياة العامة، كل هذا من كنف عهد سياسي لم يعمر أكثر من ست سنوات فقط.
ليس في صحائف الأزهري ورفاقه من الآباء المؤسسين سطر واحد يندرج تحت هذا البند.
مجرد مثال..
لم أقصد بجرد حساب السيد إسماعيل الأزهري التقليل من كسبه التأريخي، لا.. بل أقصد أن الأركان التي كان يجب أن تقوم عليها الدولة السودانية هي من أوجب مهام ذلك الجيل، جيل (الآباء المؤسسين)، لكن الدولة السودانية- حتى لحظة كتابة هذه السطور في ديسمبر 2014- فاقدة لكل الأسس التي يقوم عليها قوام الدولة العصرية، كالتالي:
لا يزال الدستور تحت عنوان (انتقالي)، ومع كونه انتقالياً، فهو غير مسنود بمهابة الدستور، ولا مشفوع بانصياع الدولة له، فالدولة السودانية لا يمثل العهد أو الميثاق المكتوب أي إلزام لها، إلا في الحدود الضيقة الحتمية أو المصطنعة، وليس المشكلة في غياب الدستور الدائم فحسب.. بل في كون الدولة- نفسها- لم تصل مرحلة الإحساس بالحاجة إلى المرجعيات والثوابت- المتفق عليها.
ويزيد من تأكيد هذه النقطة، رابعة المخازي العشر، وهي (حل الحزب الشيوعي)، وما تبعه من تداعيات، وصلت مرحلة الركل بالحذاء على قرار المحكمة العليا، ورفض الانصياع له من الحكومة، التي كان رئيسها السيد إسماعيل الأزهري- شخصياً.
قضية الهوية السودانية لا تزال موضع شقاق واحتراق، لم يجد الآباء المؤسسون وقتاً؛ لتأسيس فكرة سودانية خالصة، تستوعب الأطر السودانية في مختلف المجالات- الاجتماعية، والثقافية، والسياسية- فأصبح الصراع السياسي- نفسه- موقداً لنيران الاحتراب.
العلاقة بين الجيش والسلطة والسياسة.. تسببت في كثير من الانقلابات.. لغياب النظرة الإستراتيجية، التي تصنع المعادلة الموضوعية بين قوى المجتمع والدولة- كافة.
الرابط بين المخازي العشر!!
لا يحتاج الأمر إلى عناء ليدرك المرء العلاقة الوثيقة بين المخازي السودانية العشر، التي كانت موضوع هذا التحقيق.
غياب الرؤية..
ابحثوا في الجينات الوراثية في كل مشكلة، أو أزمة، أو فشل، وستجد أن الدولة السودانية- منذ نشأتها بعد الاستقلال- كانت هبة محاسن الصدف.. استهلكت السياسية والساسة زهرة شبابها في معارك وهمية.. أورثتنا كل هذه الأوهام العجاف.
ونواصل غداً في الحلقة الأخيرة- بإذن الله.
عثمان ميرغني
التيار

رابط كل الحلقات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *