تغيير النظام ضرورة إسلامية … “فؤاد العجباني”

من الواضح أنه في الأحداث الأخيرة، تمكنت الحكومة من هزيمة الشعب وتلقينه درسا لن ينساه. فقد صرعت الحكومة انتفاضة الشعب بالضربة القاضية في أيام معدودة، وأذاقته مرارة الهزيمة باستخدام أساليبها القمعية المتدرجة القسوة، من ضرب واعتقال واضطهاد وتشريد وتعذيب وتقتيل.
وقد عمدت الإنقاذ من يومها الأول إلى إذلال الأحزاب السياسية الوطنية واحتقارها وتفتيتها وتخريب منظمات المجتمع الأهلية الوطنية من نقابات وهيئات (وتلك هي الجهات التي تستطيع أن تحرك أي معارضة ومقاومة شعبية فعالة) والاستعاضة عنها بمنظمات خاضعة لسيطرة الدولة والحزب، وأحزاب سياسية ضعيفة تابعة. وأفلحت في ذلك بدرجة ممتاز، وبذلك أصبحت نموذجا يحتذى لدولة الحزب الواحد الفاشية المستبدة.
فالحركة الإسلامية السودانية ليست حركة تكفيرية، ولكنها تتعامل مع سائر الشعب كأنها حركة تكفيرية، كأن أعضاءها هم وحدهم المسلمون وبقية الشعب كفار لا حساب لهم. ويؤكد ذلك تصريح الشيخ الترابي مؤخرا بقوله: “فشلنا في أننا لم نطلق الحريات من اليوم الأول، وما عملنا على توحيد الشعب، بالإضافة إلى احتكار السلطة حتى على مستوى القرى والمدن الصغيرة.” وعندما سئل: “لو عاد بكم الزمان للحكم فماذا أنتم فاعلون؟” أجاب بقوله: “نستفيد من التجربة بالطبع، ونتجنب خطايانا من القمع واحتكار السلطة واحتكار المال العام وعدم نشر الحرية، كما سنعطي الحق للناس أن يتكلموا ويتحاوروا وينتقدوا حتى ولو كانوا خصوما لنا، حتى يعلم الناس الحق من الباطل والصواب من الخطأ، كما قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)”.
إنه يريد أن يقول – ببساطة – أنه كان عليه منذ اليوم الأول للانقلاب أن يطبق مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، أي مبادئ الإسلام الجوهرية، التي يعلمها جيدا، ولكنه – تحت ضغط ضرورات المرحلة – لم يفعل، وما كان له أن يفعل، ولو فعل لكان خيرا له وللبلاد.
ولا شك في أن الشيخ – بطل أكتوبر وأستاذ القانون الدستوري – كان يدرك طوال الوقت أن حزبه يستخدم القمع ويحتكر السلطة والمال العام (والخاص أيضا) ولا ينشر الحرية بل ينشر الاستبداد، ولا ينشر العدالة بل ينشر الظلم، ولكن ضرورات المرحلة في أواخر الحقبة الديمقراطية الأخيرة – ولا سيما “مذكرة الجيش” – هي التي اقتضت من حزبه أن ينقلب على الديمقراطية أولا، ثم اقتضت الأحوال من الحزب أن يلجأ إلى القمع واحتكار السلطة واحتكار المال العام (والخاص أيضا) والقضاء على الحريات، من أجل ترسيخ التغيير الذي حدث، في وجه المقاومة الصلبة من الأحزاب والكيانات السياسية الأخرى، ثم اقتضى الأمر الواقع من الحزب أن يسير في شوط الاستبداد إلى نهايته، لكي لا يعود إلى المربع الأول الذي بدأ منه أو إلى أسوأ منه.
لعل ما كان يتوخاه الحزب هو أن يكون الانقلاب العسكري “عملية جراحية” سريعة ونظيفة، تقلب موازين القوى وتمنع وقوع انقلابات أخرى يسارية كانت ستحدث حتما، على أن تلي الانقلاب مرحلة إصلاح سياسي واقتصادي لا تتجاوز السنوات الثلاث، يتم خلالها تسليم السلطة إلى الشعب وإقامة نظام إسلامي عصري على أساس المؤتمرات واللجان الشعبية، الشبيهة بنظام القذافي، والتي تشكل في النهاية الحزب الإسلامي الواحد الغالب، بسند من السواد الأعظم من الشعب الذي كان مفروضا أن يتأقلم سريعا بأقل جهد، لأنه شعب مسلم ابتداء. ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما.
لم يقض الشيخ على الديمقراطية والشورى في البلاد وحسب، بل قضى عليها داخل الحزب أيضا، وبقي وحده بمعية القصر مع مجموعة قليلة مختارة من مستشاريه الذين يدينون له بالطاعة والتقديس. ولم يجرؤ أحد من قادة الحزب على أن ينبس ببنت شفة، فمن كان يجرؤ منهم على مقارعة الشيخ أعمته الطاعة والقداسة، أو الذهول، عن رؤية الملك عاريا. ولذلك لم يكن بعد ذلك مستغربا أن يطيح القصر بالشيخ بين عشية وضحاها، بعد أن أقصى الشيخ بنفسه جل قاعدته عن ساحة صنع القرار. حقا “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”، وقد فسدت.
وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر
معظم رؤسائنا يود أحدهم لو يعمَّر في الحكم ألف سنة، سواء أكانوا رؤساء دول أو رؤساء أحزاب أو أي رؤساء أي كيان مهما صغر أو كبر، فهم يتمسكون بمناصبهم حتى الرمق الأخير. إنهم لا يعرفون معنى “حسن الختام” في الحكم أو في السلطة، ولا يتخيرون اللحظة المناسبة للاعتزال كما يفعل نجوم السينما والرياضيون. (ملحوظة: كُتبت هذه الكلمة قبل تصريح الخال الرئاسي الأخير).
وبعد انشقاق الإسلاميين الشهير أو “المفاصلة”، أصبح معظم من يريدون “السلطة والجاه” مع البشير، ومعظم من يريدونها “لله” مع الترابي. وقد سألني وقتها أحد الإخوة المصريين الحادبين هل أنت مع البشير أم مع الترابي؟ فأجبته ساخرا “قلوبنا مع الترابي وسيوفنا مع البشير”.
ولعله لو استقال أو أقيل البشير والترابي وعشرة أو عشرين من كل من “المؤتمرين” الوطني والشعبي فربما انتهت تلقائيا أزمة الحركة الإسلامية، وحالة القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تعيشها البلاد.
تغيير النظام ضرورة إسلامية
ليس تغيير النظام موضع خلاف أصلا، فكل الجهات تطالب به، حتى أتباع النظام، كما يتضح من مذكراتهم الأخيرة، وحتى قادة النظام أنفسهم، ويكفي مثالا على ذلك تصريح رئيس جهاز المخابرات السوداني السابق د. قطبي المهدي الذي قال فيه “إن حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة الرئيس عمر البشير وصلت إلى طريق مسدود، ووقفت عند النقطة التي بدأت منها، ولم تطور نفسها، وإن استمرارها في السلطة رهين بإحداث تغيير كبير في البنية السياسية للنظام”.
ولكن المسألة هي كيف سيتحقق ذلك – إن تحقق؟ فأولا، هل ستتحقق أماني أن يغير النظام نفسه بنفسه، أم سيعجز عن ذلك فتكون تلك مجرد أمانٍ وأحلام يكذّبها الواقع؟ الأمر الأخير هو الأكثر احتمالا من الناحية الواقعية، ولا سيما بعد الاتفاق (المنقوص) مع الجنوب وعودة أموال البترول (منقوصة أيضا) إلى خزينة الدولة والحزب، الشيء الذي سيقوي موقف الرافضين لأي تغيير حقيقي. وثانيا، هل ستنجح المعارضة (المسلحة وغير المسلحة) في إسقاط النظام كما تشتهي أم أنها ستعجز عن ذلك كما عجزت عنه في محاولاتها المستمرة من قبل؟ والأمر الأخير هو أيضا الأكثر احتمالا من الناحية الواقعية، على الرغم من أن المعارضة لن تتوقف عن المحاولة، والدماء لن تتوقف عن المسيل. والاحتمال الثالث – والراجح – هو أن “تتجدد” الإنقاذ تلقائيا، كما يدعو إلى ذلك السيد نائب الرئيس (الذي يبدو أنه يعد نفسه مسبقا لهذه المهمة)، أي أن تعيد الإنقاذ إنتاج نفسها بنفسها جيلا بعد جيل في أشكال متباينة ولكن بجوهر استبدادي واحد، إلى أن ينتفض الشعب بنفسه انتفاضة لا تبقي ولا تذر، أو إلى أن يتفتت ما تبقّى من البلاد ويتصومل – وهذا ما يبدو أنه آخذ في التحقق أمام عين كل بصير.
ومع ذلك، يبقى أن تغيير النظام (إلى نظام يطبق مبادئ الإسلام الجوهرية حقيقة)، وإعادة الحرية والكرامة السليبة إلى الشعب السوداني، ضرورة إسلامية.
فؤاد العجباني-فينّا، النمسا
20-10-2012
Elagabani@yahoo.com

مقالات فؤاد العجباني>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *