المخابرات المصرية … الآن حصحص الحق “2” … “اللواء الركن (م) يونس محمود”

قلنا إن مآل الحملة المدعومة مصرياً، تجاوز كل تصورات المتشائمين إلى حد الأسطورة والمعجزات في التاريخ العسكري، مثل إبادة حملة الإنجليز في أفغانستان التي لم ينج منها غير رقيب واحد فقط، وحملة الألمان على روسيا التي ابتلعتها الثلوج، وحملة هكس باشا على المهدي في كردفان التي حستها رمال شيكان في دقائق معدودة، وكذلك مضت حملة العشرين من مايو المشؤومة أبداً في ذاكرة التاريخ المخابراتي المصري، التي أنفقت عليها الوقت، والجهد، والمال، وعلقت عليها آمال نظام حكم بحاله، وموقف دولة تجاه أخرى، وبنت عليها تطلعات استراتيجية، وراهنت عليها بأغلى ما تملك، وهو العلاقات مع دولة جارة مثل السودان، ومقدار المصالح المتعلقة بها، فضلاً عن السمعة الإقليمية، والإضرار بالأمن والسلم الإقليمي والدولي، من خلال هذا التدخل، وهو ذات الأمر الذي ذُكر في الاشتراطات الأمريكية لرفع العقوبات عن السودان، وإزالته من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وها هي مصر ترتكب المخالفة، وتحاول أن تتملص من خلال بيان الخارجية، والتنصل من المسؤولية، والتبرؤ من الدعم، الذي تنطق كل أدواته، ومعداته، بأنها تؤول إلى مصر، بما يقطع الشك باليقين.
وبالطبع لن يشفع في هذه المرافعة بأن (حفتر) هو مما قام بتحويل هذه التجهيزات العسكرية لحركات دارفور العنصرية، لأن حفتر نفسه يحتاج لمثل هذه التجهيزات لمقابلة أعماله العسكرية ضد خصومه الثوار في ليبيا. ولكنه عميل لمصر يمكن أن يقوم بأي دور وفق التوجيهات المصرية.
الصور المنتشرة الآن في أجهزة التواصل، ووسائل الإعلام، تؤكد فداحة الخسارة التي انتهت إليها الحملة المدعومة مصرياً، ومن دولة جنوب السودان، إذ وقع أغلب القادة بين (قتيل، وأسير موثق بالحبال) وهلك أسوأ متمرد، وهو المدعو (طرادة) وهو مجرم حرب دامي السيرة.
إنَّ العربات، والأسلحة، والذخائر، والمعدات، التي غنمتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع هي (مغنم كبير بحق)، ما كان لمصر أن تمد به السودان ولو بالمال، ولقد سبق لمصر أن باعت السودان أيام حرب الجنوب، باعته (ذخائر فاسدة، دانات الهاون، التي تنفجر داخل الماسورة، فتقضي على الطاقم وتدمر الموقع)، وكذلك صناديق ذخائر الكلاشنكوف، عندما تم فتحها وُجدت (فشنك)، برغم أن الديباجة على الصندوق تؤكد بأنها ذخائر حية.
الحملة المدعومة مصرياً، ومن دولة جنوب السودان، استسلمت استسلاماً مهيناً يؤكد أن إرادة القتال (غير موجودة في المخازن المصرية)، وإلا لتم صرفها مع الذخائر والأسلحة، ولمن شاهد الفلم الذي سجلته اذاعة البي بي سي أيام حرب 1967م، وكيف استسلم الجنود المصريون استسلاماً مهيناً للعدو الإسرائيلي، وتم جمعهم في قطعان، استعرضها فتيات الجيش الإسرائيلي، وهنّ يُمعنّ في إهانة الأسرى العطشى بجرعة ماء، ثم تم قتلهم، ودفنهم في مقابر جماعية.
الآن تبدل الوضع، إذ أصبحت إسرائيل صديقة، بينما السودان الذي حارب مع مصر حرب 1967م، وحرب 1973م أصبح الآن عدواً تتربص به مصر الدوائر، وتدبر له غزو خارجي، مستفيدة من الحركات المرتزقة، التي أدمنت الفشل في مواجهة القوات المسلحة السودانية.
بالتأكيد المخابرات المصرية الآن في صدمة، مما تناهى إليها من أخبار الحملة، وتمام إبادتها في (ضحوة واحدة) هي يوم السبت 20/5/2017م، وما بقي مجرد ملاحقة للهاربين، وتجميع للأمتعة (المصرية) التي تبعثرت في الصحراء، وبين أشجار السافنا في شرق دارفور.
إن منظر أكوام القتلى، وطوابير الأسرى، وصفوف المعدات والعربات، ومعرض الذخائر والأسلحة (سيقطع نياط القلوب) لدى مدير هذه الحملة، الذي كان ينتظر (الحلاوة) من سيادة الرئيس، الذي سبق بإعلانه عن العلاقة بين السودان علاقة مصير واحد، حتى يضرب دخان، ويُعمى الرؤية، ويسجل براءة مسبقة من أي اتهام محتمل، باعتبار (أن ما سيتم) هو شأن داخلي محض، لا دخل لمصر فيه.
مع التأكيد أن المخابرات المصرية لا يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل بعيداً عنه لا يمكن..
فقط قالوا له وهم (يتضاحكون) آه “يا ريس، قول لهم كلمتين حلي بيهم الناس الطيبين دول، وغرقهم في العسل، لحد ما ناخذهم كدا وهم غافلين”.
خاتمة الأمر.. إن الستار قد رُفع عن مسرح العبث، والحركات المرتزقة قد وجدت جزاءها المستحق، وهو الموت الزؤام، والأسر، والهزيمة الماحقة، والذين دعموا الحملة.. خابوا، وخسروا، وبقي السودان عزيزاً برجاله الأشاوس، ومقاتليه الأشداء وشعبه المجاهد، ولا يزال المدى مفتوحاً، والأنفس مهيئة، لأي مواجهة محتملة.
نضّر اللهُ وجوه الرجال في القوات المسلحة، والدعم السريع، الذين أطالوا أعناق الكرام من أهل السودان، وبيضوا الوجوه، من حيث أراد لها الأعداء القتر والسواد.
يجب إعادة النظر في التجار المصريين المتجولين.
اللواء الركن (م) يونس محمود

مقالات اللواء يونس محمود>>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *